العملات المشفّرة فتحت آفاقاً مالية جديدة بفرص هائلة – ومخاطر موازية في الضخامة. خلال العقد الماضي، تمكّن قراصنة من سرقة مليارات الدولارات من البورصات ومنصات التمويل اللامركزي DeFi، وأدت أخطاء فردية إلى خسائر لا رجعة فيها، فيما تسببت ثغرات برمجية في انهيارات متتابعة عبر الأسواق. بخلاف الودائع المصرفية التقليدية، التي تحظى عادة بتأمين حكومي، لا تتمتع الأصول المشفّرة عادة بأي شبكة أمان مضمّنة. إذا سُرقت عملاتك أو تم استغلال عقد ذكي، قد تجد نفسك تتحمّل الخسارة كاملة.
هنا يبرز دور التأمين على الأصول المشفّرة. هذا النوع من التأمين يمثل فئة ناشئة من المنتجات المصممة لحماية حاملي الأصول الرقمية من الخسائر الناجمة عن أحداث مثل السرقة والاختراقات وأخطاء العقود الذكية وغيرها من الكوارث غير المتوقعة في عالم التشفير. جوهر الفكرة هو تكييف مبدأ التأمين التقليدي – تجميع المخاطر لتخفيف الأثر المالي للكوارث – مع عالم البلوكشين والرموز الرقمية.
الاهتمام بالتأمين على الأصول المشفّرة تصاعد مع نضوج الصناعة. قبل عشر سنوات، كان الحصول على أي تغطية تأمينية للبيتكوين أو غيره من العملات شبه مستحيل. شركات التأمين كانت تنفر من حداثة الأصول المشفّرة وتقلباتها وسجلها الحافل باختراقات البورصات الكبرى مثل Mt. Gox عام 2014. لكن مع تضخم القيمة المحجوزة في الأصول الرقمية لتصل إلى تريليونات الدولارات، ودخول المستثمرين المؤسساتيين، أصبح الطلب على الحماية كبيراً لدرجة لا يمكن تجاهلها. اليوم، سوق التأمين على الأصول المشفّرة ما زال صغيراً لكنه ينمو بسرعة، مع أقساط تقدر بالفعل بمئات ملايين الدولارات، وبوتيرة نمو تفوق حتى قطاع التأمين ضد مخاطر الأمن السيبراني التقليدي. ومع ذلك، لا تزال التغطية بعيدة جداً عن تلبية الحاجة الفعلية؛ فبحسب أحد التقديرات، لا يتجاوز حجم الأصول المشفّرة المؤمن عليها 1% تقريباً، مقابل نحو 7% من الأصول في النظام المالي التقليدي. هذا الفارق الصارخ في الحماية يشكل تحدياً وفرصة في آن واحد، ويدفع كلاً من الشركات الناشئة في البلوكشين وشركات التأمين العريقة لابتكار حلول جديدة.
في هذا الشرح التحليلي، نستعرض ماهية التأمين على الأصول المشفّرة، ولماذا يكتسب أهمية متزايدة، وكيف تطوّر عبر الزمن. سنعود إلى البدايات، من وثائق تأمين الحفظ في البورصات المركزية إلى صناديق المخاطر اللامركزية اليوم. كما سنحلل المخاطر التي تواجه مكونات النظام البيئي للعملات المشفّرة – من المحافظ الفردية إلى الرموز غير القابلة للاستبدال NFTs وصولاً إلى مراكز DeFi – وكيف يحاول التأمين تغطية هذه التهديدات. وسنقارن بين مقدمي التأمين المركزيين (مثل نقابات Lloyd’s of London وCoincover وشركات التأمين المنظمة) والنماذج اللامركزية (مثل Nexus Mutual وRisk Harbor وغيرها)، من حيث نطاق التغطية وآليات التعويض ومستوى الموثوقية.
سنستعرض أيضاً الإطار التنظيمي في الأسواق الكبرى، مع بدء القوانين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وآسيا بفرض متطلبات على إفصاحات مخاطر الأصول المشفّرة والتأمين عليها. وفي الختام، سنقيّم التحديات الرئيسة التي تواجه سوق التأمين على الأصول المشفّرة – من عدم كفاءة استغلال رأس المال إلى مخاطر الأوراكل – ونناقش الاتجاهات المستقبلية القادرة على إعادة تشكيل هذا القطاع الناشئ، بدءاً من وثائق التأمين البارامترية والنماذج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لتسعير المخاطر، وصولاً إلى تكاملات الطبقة الثانية Layer-2 وازدياد انخراط المؤسسات.
ما هو التأمين على الأصول المشفّرة ولماذا يعدّ حاسماً؟
في جوهره، التأمين على الأصول المشفّرة هو ببساطة تغطية تأمينية مصممة خصيصاً للأصول الرقمية والمخاطر الفريدة المرتبطة بالعملات المشفّرة. يمكن تقديم تعريف عملي له على أنه تأمين متخصص يحمي حاملي العملات المشفّرة من الخسائر الناجمة عن أحداث مثل السرقة والاختراق أو فقدان المفاتيح الخاصة.
عملياً، يتخذ هذا التأمين أشكالاً متعددة. فهناك وثائق تغطي سرقة البيتكوين أو الإيثر من بورصة أو محفظة حفظ مركزية تتعرض للاختراق. منتجات أخرى توفّر حماية ضد فشل أو استغلال العقود الذكية في بروتوكولات التمويل اللامركزي. بعضها يمتد ليشمل حماية الرموز غير القابلة للاستبدال NFTs أو حتى معدات تعدين العملات المشفّرة. ما يجمع هذه المنتجات هو هدف نقل عبء المخاطر الكارثية – مثل اختراق بورصة، أو تلاعب موظف داخلي، أو ثغرة حرجة في الكود – من على عاتق الفرد أو المؤسسة إلى صندوق تأميني مشترك. تماماً كما تدفع لك شركة التأمين في حال تعرضت لحادث سير، يمكن للتأمين على الأصول المشفّرة أن يعوّضك إذا سُرقت أصولك الرقمية أو تلفت في ظروف مشمولة بالوثيقة.
أهمية هذا النوع من التأمين تنبع من طبيعة الخسائر في عالم التشفير: غالباً ما تكون نهائية وغير قابلة للعكس. المعاملات على البلوكشين تتم بتسوية نهائية؛ لا يوجد بنك يعيد حوالة مزوّرة، ولا سلطة مركزية قادرة على استرجاع العملات المسروقة. إذا تم استنزاف محفظتك أو تعرضت المنصة التي تستخدمها للاختراق، فعادة لا يتوفر لديك مسار واضح لاسترداد أموالك. هذه الحقيقة الصارمة أبقت كثيراً من المشاركين المحتملين – خصوصاً المؤسسات – عند الهامش. وجود تأمين يوفّر ركيزة أمان مالية، بمعنى أنك حتى في أسوأ السيناريوهات تملك فرصة لاسترداد قيمة أصولك.
كما أشارت إحدى الدراسات القانونية، التأمين يمثل "الحلقة المفقودة في منظومة الأصول المشفّرة" لأنه يمنح الأفراد الثقة بأن قيمة ممتلكاتهم الرقمية لن تتبخر بين ليلة وضحاها. وفي ظل غياب حلول أمنية مثالية (إذ لم يثبت حتى الآن أن أي وسيلة حفظ منيعة تماماً)، يبقى التأمين الأداة الوحيدة القادرة على ضمان أن الاختراق أو الخطأ البشري لن يتحول إلى خسارة كلية.
بالنسبة للمستخدمين الأفراد، يمكن للتأمين أن يوفّر راحة بال حقيقية بأن مدخراتهم ليست على بعد رسالة تصيّد إلكتروني أو برمجية خبيثة واحدة من الاختفاء. تجارب المستثمرين الأفراد كشفت بوضوح أن كلّاً من البورصات والمحافظ الشخصية عرضة للاختراق. في أوائل 2022 مثلاً، وقع جامع NFTs ضحية رابط تصيّد، فتمت سرقة مجموعة من رموز Bored Ape كانت قيمتها تتجاوز 2.5 مليون دولار من محفظته. وعلى الجانب الآخر، قصص خسارة الأموال بسبب انهيار البورصات – من سقوط Mt. Gox عام 2014 إلى إفلاس FTX في 2022 – انتهت غالباً بحصول العملاء على جزء يسير من ودائعهم، إن حصلوا على شيء أساساً. في مثل هذه المواقف، يمكن أن يكون وجود وثيقة تأمين سارية بمثابة طوق نجاة.
ورغم أن العروض المتاحة للأفراد لا تزال محدودة، بدأت جهات مثل Coincover في توفير منتجات موجهة للمستهلكين، مثل تغطية تصل إلى 100 ألف دولار للمحافظ الشخصية أو مقتنيات NFTs. مجرد معرفة أن هناك جهة ستعوضك في حال تحقق خطر مشمول في الوثيقة، يجعل الانخراط في أسواق الأصول المشفّرة أقل رهبة للمبتدئين.
أما بالنسبة للمؤسسات، فالتأمين غالباً شرط أساسي للدخول. البنوك وصناديق التحوط ومكاتب العائلات الثرية والشركات الكبرى التي تستكشف الأصول الرقمية تخضع عادة لسياسات حوكمة ومخاطر تفرض وجود تغطية تأمينية. هذه الجهات تدير في كثير من الأحيان مبالغ ضخمة – بعشرات أو مئات ملايين الدولارات – لحساب عملاء أو مستثمرين يحتاجون إلى ضمانات بأن تلك الأصول مصونة. كما يشير أحد تحليلات القطاع، "المستثمرون من المؤسسات الكبرى لن يتعاملوا مع شركات تفتقر إلى تغطية تأمينية كافية". ينطبق هذا على الشركات المالية التقليدية، ويصبح أكثر إلحاحاً في مجال التشفير بالنظر إلى تاريخه مع الاختراقات وضبابية الأطر التنظيمية.
لهذا السبب، كثير من أمناء الحفظ المؤسساتيين في عالم الأصول المشفّرة يبرزون تغطيتهم التأمينية كعنصر تسويقي أساسي لكسب ثقة العملاء. بورصات أميركية كبرى مثل Coinbase وGemini وCrypto.com تحتفظ كل منها بمئات ملايين الدولارات من التغطية التأمينية لأصول الحفظ البارد (المخزنة في محافظ غير متصلة بالإنترنت). غالباً ما يتم الاكتتاب بهذه الوثائق عبر اتحادات من شركات التأمين، وتشمل مخاطر السرقة والاختراق السيبراني.
Gemini مثلاً أنشأت في 2020 شركة تأمين مملوكة لها (captive) لتأمين تغطية بقيمة 200 مليون دولار – وهو ما كان آنذاك أعلى حد تأمين للحفظ البارد في القطاع. رئيس إدارة المخاطر في Gemini، يوسف حسين، أوضح أن "التأمين أحد آخر العوائق… فإذا أردنا اعتماداً جماهيرياً، يجب أن يكون أمامنا نظام بورصات منظم ومتوافق [يتمتع] بذات مستويات الحماية الموجودة في التمويل التقليدي". بعبارة أخرى، التأمين القوي عنصر أساسي في تعميم استخدام الأصول المشفّرة، لأنه يتيح للمستثمرين المؤسساتيين التعامل بثقة أكبر، مع العلم أن "في حال وقوع الأسوأ، توجد حزمة تأمينية كافية" لحماية الأصول.
مع ذلك، لا يعني التأمين اختفاء المخاطر – بل نقلها وتخفيف آثارها. امتلاك وثيقة تأمين على المنزل لا يمنع اندلاع حريق، لكنه يضمن تمويل إعادة البناء لاحقاً؛ بالمثل، التأمين على الأصول المشفّرة لا يمنع الاختراق لكنه يعوض المتضرر مالياً. هذا الهامش من الحماية يمكن أن يصنع الفرق بين أزمة عابرة وإفلاس كامل. وله أثر نظامي أيضاً: تخفيف الخوف من الخسائر غير القابلة للاسترداد يشجع على مشاركة أوسع ويعزز استقرار السوق. لطالما أشار المحللون إلى أن غياب طبقات الحماية يردع كثيرين من تبني الأصول المشفّرة. عندما تصبح التغطية متاحة، فإنها "توفر شبكة الأمان الضرورية ليشعر الناس بالارتياح تجاه الاحتفاظ بالأصول المشفّرة واستخدامها والاستثمار فيها". وعلى المدى البعيد، قد يسهم توسع سوق التأمين في تقليص حدّة تقلبات الأصول المشفّرة، عبر الحد من موجات الذعر وفقدان الثقة التي تعقب الاختراقات الكبرى.
في المحصلة، تكتسب منتجات التأمين على الأصول المشفّرة أهميتها لأنها تضيف طبقة من الثقة وإدارة المخاطر إلى بيئة تكاد تفتقر إلى مسارات رجوع فعّالة. إنها تقرّب صناعة التشفير من معايير التمويل التقليدي، حيث تكاد لا تخلو أي فئة أصول أو نشاط مالي من تغطية تأمينية ما. من المتداول الفردي الذي يحمي محفظته، إلى شركة التكنولوجيا المالية التي تمتثل لمتطلبات تأمين إلزامية، وصولاً إلى صندوق التقاعد الذي يطالب بحفظ مؤمَّن على أصوله الرقمية، يشير وجود التأمين إلى نضج متزايد في سوق الأصول المشفّرة. وكما سنرى، لم يكن هذا متاحاً منذ البداية، بل تطلّب سنوات من التطور التدريجي حتى تقبلت شركات التأمين هذا الحقل الجديد.
من الحفظ البارد إلى التجمعات اللامركزية: لمحة تاريخية عن تأمين الأصول المشفّرة
في سنوات البيتكوين الأولى (حوالي 2009–2015)، كان التأمين في هذا المجال شبه معدوم. فكرة أن شركات التأمين التقليدية قد تغطي اختراقاً لأصول رقمية يحتفظ بها مستخدمون مجهولون بدت بعيدة عن الواقع. حوادث مثل اختراق بورصة Mt. Gox عام 2014 – الذي أدى إلى فقدان 850 ألف بيتكوين – سلطت الضوء على مستوى المخاطر الاستثنائي، لكن شركات التأمين اختارت آنذاك الانسحاب بدلاً من تحمل هذه المخاطر. بدأ المشهد يتغيّر في النصف الثاني من العقد الأول من الألفية الثالثة، مع تحوّل العملات المشفّرة إلى فئة أصول ذات وزن، بعدما كانت معظم شركات التأمين تتجنّب الاكتتاب فيها. مع مرور الوقت «أصبح حجم الفرصة والطلب أكبر من أن يُتجاهل»، لتبدأ قلّة من شركات التأمين الرائدة في اختبار السوق بحذر.
أول موطئ قدم حقيقي كان في تأمين الحفظ (Custodial Insurance) للأصول الرقمية المحتفظ بها لدى أمناء حفظ معتمدين أو منصّات تداول. كانت شركات التأمين أكثر ارتياحاً لتغطية الأصول الموجودة في «التخزين البارد»، أي المخزّنة في أنظمة غير متصلة بالإنترنت ومحفوظة في خزائن عالية التأمين، على غرار صناديق الأمانات البنكية. عبر التعامل مع المفاتيح الخاصة كما لو كانت سندات لحاملها عالية القيمة أو ألماساً، كان بالإمكان إدراج المخاطر ضمن فروع تأمين معروفة – غالباً سوق الـ“Specie” الذي يغطي المعادن النفيسة والأعمال الفنية وما شابه.
إحدى المحطات المبكرة البارزة جاءت في أغسطس 2018، حين حصلت جهة حفظ أميركية مؤهلة تُدعى Kingdom Trust على وثيقة من سوق Lloyd’s of London لحماية أصول عملائها من العملات المشفّرة ضد السرقة أو التلف. كانت Kingdom Trust تسعى إلى التأمين منذ عام 2010، لكن لم تتحرّك نقابات لويدز لتقديم حل فعلي إلا بعد أن ارتفع الحضور الإعلامي والوزن السوقي للأصول المشفّرة. رئيس الشركة التنفيذي قال آنذاك إن «التأمين كان منذ البداية عاملاً محورياً لجذب المستثمرين المؤسسيين إلى هذا السوق»، في إشارة إلى أهمية عنصر الطمأنينة للعملاء المحتملين. تفاصيل وثيقة لويدز – من حيث هوية شركة التأمين الفعلية وقيمة القسط – بقيت سرّية، لكنها اعتُبرت نقطة تحوّل و*«أحدث مثال على قطاع تأمين كان متحفظاً ثم بدأ يتقدّم لتقديم الحماية»* لمشروعات الكريبتو.
بعد 2018، سار مزيد من البورصات وأمناء الحفظ على الخط نفسه. من خلال وسطاء مثل Aon وMarsh، نظّمت شركات التأمين وثائق جرائم مالية أو وثائق Specie لصالح كيانات كبرى في قطاع الكريبتو، لكن مع تحفّظ جوهري: التغطية كانت تقتصر في معظمها على الأصول في التخزين البارد. المحافظ الساخنة (Hot Wallets) المتصلة بالإنترنت كانت تُستثنى غالباً، أو تُغطّى بمبالغ محدودة للغاية بسبب مخاطر القرصنة المرتفعة. عملياً، استطاعت البورصات تأمين الجزء الأكبر من احتياطياتها المخزّنة أوفلاين، لكن الأرصدة الموجودة في المحافظ الساخنة لتلبية طلبات السحب بقيت نقطة ضعف هيكلية.
مع ذلك، بدأت تتشكّل أرقام مرجعية في السوق بحلول 2019؛ فـCoinbase يُقال إنها حصلت على وثيقة بقيمة 255 مليون دولار لتأمين أرصدة محافظها الساخنة، فيما حصلت BitGo على وثيقة من لويدز بقيمة 100 مليون دولار لتأمين الأصول في التخزين البارد. في المقابل، تعلّمت شركات التأمين كيفية الاكتتاب في هذه المخاطر عبر فرض شروط صارمة (ضوابط أمن سيبراني قوية، أنظمة توقيع متعدّد، تدقيق خلفيات الموظفين، إلخ)، مقابل أقساط مرتفعة تعوّض مستوى عدم اليقين.
إحدى الوسائل للحصول على حدود تغطية كبيرة كانت عبر تأسيس شركات تأمين أسيرة (Captive). في مطلع 2020، تصدّرت بورصة Gemini، المملوكة للأخوين وينكلفوس، العناوين بإطلاق شركة تأمين أسيرة في برمودا تحت اسم Nakamoto Ltd. لتأمين نشاط الحفظ لديها. بإنشاء كيان تأميني مرخّص مملوك لها، تمكّنت Gemini من ترتيب تغطية إجمالية قدرها 200 مليون دولار للأصول المحتفظ بها نيابة عن العملاء، في ما وُصف آنذاك بأنه أكبر حد تأميني في سوق الكريبتو عالمياً. تحقّق ذلك من خلال تحمّل الشركة الأسيرة جزءاً من الخطر، وإعادة التأمين على الجزء المتبقي عبر تحالف من المكتتبين التقليديين، رتّبهم وسيطها Marsh في سوق التأمين التجاري. مبادرة Gemini أظهرت في آن واحد ما يمكن وما لا يمكن تحقيقه في تأمين الكريبتو في مراحله الأولى: الحصول على تغطية ممكن، لكن غالباً عبر حلول مركّبة وبكلفة وجهد كبيرين. مدير إدارة المخاطر في Gemini شدّد على أن التأمين شرط أساسي للقبول الجماهيري، وأن «العملاء اعتادوا على مثل هذه الحمايات في التمويل التقليدي». مع ذلك، ظلّ كثير من شركات التأمين يرفض تغطية المحافظ الساخنة، لتظل وثيقة Gemini – كغالبية الوثائق آنذاك – مركّزة على الأصول في التخزين البارد، الأقل تعرّضاً للهجمات.
في الفترة نفسها تقريباً (2019–2020)، بدأت تظهر داخل مجتمع الكريبتو بدائل لامركزية للتأمين. الأبرز والأسبق بينها كانت Nexus Mutual التي انطلقت في مايو 2019 كصندوق تأمين تعاوني مبني على البلوك تشين. Nexus Mutual ليست شركة تأمين تقليدية، بل تعاونية تقديرية منظّمة بموجب القانون البريطاني – أي صندوقاً مملوكاً للأعضاء لتقاسم المخاطر. قدّمت منتجاً باسم smart contract cover، يدفع تعويضاً إذا تعرّض عقد ذكي محدّد (مثل بروتوكول إقراض لامركزي) للاختراق أو الاستغلال. الفكرة أن مستخدمي الكريبتو المطلعين على المخاطر يمكنهم تجميع رؤوس أموالهم (من خلال رمزها NXM) للتأمين الجماعي ضد حوادث القرصنة.
على مدى الأعوام التالية، أثبتت Nexus Mutual جدوى هذا النموذج؛ فمنذ 2019 اكتتبت ما يقارب 5 مليارات دولار من مخاطر الأصول الرقمية، وسدّدت تعويضات بنحو 18 مليون دولار عن خسائر مرتبطة بالـDeFi. ورغم ضآلة هذه الأرقام أمام الحجم الكلي لسوق التمويل اللامركزي، فإنها برهنت على أن آلية تأمين لامركزية يمكن أن تعمل وتفي بالمطالبات حتى في أحداث معقّدة مثل استغلال بروتوكولات. نجاح Nexus Mutual مهّد الطريق لجيل كامل من منصّات التأمين الكريبتوية التي ظهرت خلال طفرة الـDeFi في 2020–2021 (سيجري تناولها بالمقارنة لاحقاً).
في الأثناء، بدأت شركات التأمين التقليدية توسّع نطاق التغطية إلى ما وراء الأصول المحتفظ بها لدى أمناء الحفظ. في 2020، طوّر مكتتبون في Lloyd’s of London نوعاً جديداً من الوثائق يستهدف المحافظ الساخنة صراحةً – وهي فئة كانت تكاد تكون غير قابلة للتأمين سابقاً. في بيان صحافي صدر في فبراير 2020، أعلنت لويدز عن حل تأميني «الأول من نوعه» لمحافظ الكريبتو، طوّره سنديك Atrium بالتعاون مع Coincover. ما ميّز هذه الوثيقة هو حد تغطية ديناميكي يرتفع أو ينخفض مع سعر الأصول المشفّرة، بما يضمن بقاء قيمة التغطية متماشية مع تحركات السوق. قدّمت الوثيقة تغطية ضد السرقة للمحافظ المتصلة بالإنترنت بحدود تبدأ من 1000 جنيه إسترليني، مستهدفة الأفراد والشركات الصغيرة على حد سواء.
شركة Coincover، وهي شركة بريطانية متخصّصة في أمن الأصول الرقمية، قدّمت الطبقة التقنية للحل (خدمات نسخ احتياطي للمفاتيح ومراقبة المعاملات)، بما يُفترض أنه خفّض احتمال اختراق المحافظ. مبادرة Coincover–Lloyd’s اعتُبرت خطوة في إزالة عائق رئيسي أمام توسّع الاستخدام: «موجة جديدة من المهتمين بالكريبتو كانت تنفر بسبب غياب الحماية الكافية… ومع هذه الوثيقة المبتكرة يمكننا إزالة هذه الحواجز وتوسيع جاذبية الكريبتو»، كما قال الرئيس التنفيذي لـCoincover في بيان لويدز. عملياً، كان سوق التأمين التقليدي يتكيّف تدريجياً مع احتياجات الكريبتو، منتقلاً من تغطية الأصول الموضوعة في “تجميد عميق” إلى تحمل جزء من المخاطر على الأصول قيد الاستخدام النشط.
النصف الثاني من العقد الأول من الألفية الثالثة شهد أيضاً دخول كفاءات ورؤوس أموال تأمينية تقليدية إلى فضاء الكريبتو عبر شركات ناشئة. شركات مثل Evertas (تأسست في 2017 باسم BlockRe) قدّمت نفسها كلاعبين متخصصين في تأمين الكريبتو ضمن سوق لويدز. وفي 2022، أطلقت شركة Chainproof، التابعة لشركة أمن البلوك تشين Quantstamp، نشاطها مدّعية أنها «أول مزوّد تأمين على العقود الذكية منضبط تنظيمياً في العالم». حصلت Chainproof على رخصة عبر بيئة الاختبار التنظيمية (Sandbox) في برمودا، ووجدت دعماً من لاعبين كبار مثل شركة التأمين اليابانية Sompo وعملاق إعادة التأمين Munich Re. تركيزها منصب على تأمين الأصول المودعة في بروتوكولات DeFi، أي تغطية المخاطر “على السلسلة” التي لم تكن شركات التأمين التقليدية تخدمها بعد.
ظهور Chainproof كان كاشفاً لثغرة تأمينية قائمة: حتى ذلك الحين، إذا حوّل مستثمر مؤسسي أصولاً من محفظة حفظ مؤمّنة إلى بروتوكول DeFi مثل Compound أو Uniswap، فإن هذه الأصول تصبح خارج أي تغطية تأمينية. Chainproof سعت لسد هذه الفجوة عبر منتج تأميني متوافق تنظيمياً، يقوم على إجراءات اعرف عميلك (KYC)، للأصول غير الحاضنة (Non-Custodial)، بما يتيح للمؤسسات الانخراط في DeFi دون الإخلال بالقيود التنظيمية أو سياسات إدارة المخاطر. دعم Munich Re وغيره عكس أيضاً تنامي ثقة الكيانات التأمينية الكبرى؛ فهي مستعدة لإعادة تأمين مخاطر الكريبتو حين تتعاون مع خبرات متخصّصة في المجال (مثل خبرة Quantstamp في تدقيق العقود الذكية).
بحلول منتصف العشرينيات من هذا القرن، أصبح مشهد تأمين الكريبتو مزيجاً من النماذج التقليدية والمبتكرة. في أحد الأطراف، ترتّب شركات التأمين والوسطاء وثائق بأحجام متزايدة للبورصات وأمناء الحفظ – ففي 2023، رخّصت شركة Arch (عبر لويدز) لشركة Evertas بتقديم وثيقة واحدة بقيمة تصل إلى 420 مليون دولار لتأمين خدمات الحفظ على الكريبتو، في ما يُقال إنه أكبر حد تأميني منفرد في القطاع. في الطرف الآخر، توسّع صناديق التأمين اللامركزية تغطيتها إلى مجالات جديدة مثل انفصال العملات المستقرة عن ربطها (Depegging) وسرقة الـNFTs، معتمدة في كثير من الأحيان على صيغ تعويض معيارية (Parametric) وحوكمة مجتمعية.
بين هذين القطبين، تظهر حلول هجينة – مثل محافظ Coincover المؤمّنة تكنولوجياً، أو استخدام الشركات الأسيرة والتحالفات لتقاسم المخاطر – تمزج بين عناصر من العالم التأميني التقليدي وتقنيات الكريبتو. لا يزال الطريق في بدايته؛ فاليوم لا يغطي التأمين سوى نسبة محدودة جداً من إجمالي الأصول المشفّرة عالمياً، لكن الانتقال من شبه انعدام للتغطية قبل عقد إلى سوق متعدد الأوجه اليوم يُعد تقدّماً لافتاً. أحد الشركاء في مكتب المحاماة Hunton Andrews Kurth لخّص الوضع في 2025 بقوله إن «مشهد المنتجات التأمينية المصمّمة خصيصاً لمخاطر الكريبتو يتطوّر بوتيرة سريعة»، مع تسابق الشركات على الابتكار في تغطية المخاطر الناشئة. في ما يلي، سننتقل إلى تفصيل طبيعة هذه المخاطر وكيف يمكن أن تتعرّض المحافظ، و الـNFTs، ومراكز الـDeFi للانكشاف، تمهيداً لفهم التغطيات المتاحة.
فهم المخاطر: المحافظ، الـNFTs، والـDeFi
الأصول المشفّرة، بطبيعتها، تعمل في بيئة عالية المخاطر. لفهم ما يغطيه تأمين الكريبتو، لا بد من تفكيك أنواع التهديدات والخسائر التي يواجهها حاملو هذه الأصول. يمكن تصنيف هذه المخاطر عموماً بحسب مكان وكيفية الاحتفاظ بالأصول أو استخدامها – سواء في محفظة شخصية، أو في صورة NFT فريد، أو مقفلة داخل بروتوكول DeFi. ومع أن ثمة تداخلاً بين هذه الفئات (على سبيل المثال، أي نظام متصل بالإنترنت…```في عالم الأصول الرقمية، تختلف مصادر الخطر باختلاف طريقة الاحتفاظ بالأصول ونوعها، من محافظ العملات المشفّرة إلى الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) وصولاً إلى مراكز التمويل اللامركزي (DeFi). لكل فئة مخاطرها الخاصة، ما يستدعي فهماً دقيقاً قبل التفكير في التغطية التأمينية. فيما يلي قراءة معمّقة لخريطة المخاطر:
أولاً: محافظ العملات المشفّرة (الساخنة والباردة)
عند الاحتفاظ الذاتي بالأصول المشفّرة (Self-custody)، تصبح سلامة الأموال مرهونة بالكامل بحماية المفاتيح الخاصة. وتنقسم المحافظ هنا إلى:
1. المحافظ الساخنة (Hot Wallets)
هي محافظ برمجية متصلة بالإنترنت – مثل تطبيقات الجوال أو المحافظ عبر المتصفّح – تُستخدم عادةً في التداول اليومي والمدفوعات السريعة. هذه السهولة تأتي بثمن أمني مرتفع:
- تعرّض مرتفع لهجمات الاختراق: يمكن للبرمجيات الخبيثة البحث عن المفاتيح الخاصة أو عبارات الاسترداد (Seed Phrase)، كما تُستغل ثغرات برمجية في تطبيقات المحافظ نفسها.
- الاحتيال والهندسة الاجتماعية: انتحال صفة دعم فني، رسائل تصيّد تحاكي منصات شهيرة، أو روابط خبيثة تؤدي إلى سرقة كامل الرصيد بين عشية وضحاها.
- تهديدات على مستوى المؤسسات: البورصات وتطبيقات الفنتك تحتفظ بجزء من الأصول في محافظ ساخنة لتأمين السيولة الفورية، ما يجعلها هدفاً مغرياً للقراصنة والمنسّقين من الداخل.
أحد أبرز الأمثلة اختراق شبكة Ronin المرتبطة بلعبة Axie Infinity في 2022، حيث تمكّن مهاجمون من الاستيلاء على ما يقرب من 615 مليون دولار عبر اختراق مفاتيح المصدّقين (Validator Keys)، أي عملياً تجفيف حوض من المحافظ الساخنة. كما سُجّلت حالات تواطؤ داخل بعض البورصات لسحب أموال العملاء، ما دفع عدداً من وثائق التأمين لتسمية "تواطؤ الموظفين" كخطر مغطّى صراحة في وثائق الحفظ المؤسسي (custody).
2. المحافظ الباردة (Cold Wallets)
في المقابل، المحافظ الباردة تعني تخزين المفاتيح الخاصة خارج الشبكة: على أجهزة مادية (Hardware Wallets) أو حتى مطبوعة على ورق داخل خزنة. هذه الطريقة تقلّص بدرجة كبيرة مخاطر القرصنة عبر الإنترنت، لكنها تفتح باباً لمخاطر من نوع آخر:
- السرقة المادية أو الفقدان: سرقة صندوق ودائع آمن يحتوي على جهاز التخزين، أو ضياع الجهاز دون وجود نسخة احتياطية، يعني عملياً ضياع الأصول إلى الأبد.
- التلف المادي: حريق أو فيضان يمكن أن يدمّر نسخ المفاتيح الورقية أو الأجهزة نفسها.
- الأخطاء البشرية: إرسال عملات إلى عنوان خاطئ، أو فقدان عبارة الاسترداد، أو سوء تخزين النسخ الاحتياطية.
كثير من وثائق التأمين قد تغطي "الفقدان أو التلف المادي" للمفاتيح الخاصة في بعض الظروف، لكنها في العادة لا تغطي إهمال المستخدم أو أخطاءه الفادحة. فالبنود الاستبعادية غالباً ما تنص على استثناء "الخسائر الناجمة عن أخطاء مالك الأصل نفسه". شركات التأمين تفترض حداً أدنى من الحيطة من جانب المستخدم.
لهذا السبب، ظهرت منتجات هجينة مثل خدمات Coincover التي تحتفظ بنسخة احتياطية مشفّرة من المفتاح وتقدّم "ضماناً" مدعوماً بتغطية تأمينية: في حال فقدان المستخدم للوصول إلى مفاتيحه، تساعده الشركة في الاسترجاع أو تعوّضه حتى سقف معيّن. هذه المقاربة تمثل خدمة استرداد مفاتيح مؤمّنة، تمزج بين التقنية والتأمين لمعالجة معضلة فقدان المفاتيح.
خلاصة مخاطر المحافظ
- المحافظ الساخنة: الخطر الأكبر هو السرقة عبر الاختراق والبرمجيات الخبيثة.
- المحافظ الباردة: الخطر الأبرز هو فقدان الحيازة نتيجة الحوادث أو السرقة المادية للأجهزة أو النسخ الورقية.
الأفراد والشركات كلاهما معرّضان لهذه المخاطر. لهذا نرى كثيراً من البورصات الكبرى تحتفظ بنحو 98% من الأصول في تخزين بارد، وتُبقي قرابة 2% فقط في محافظ ساخنة، مع تأمين جزء من تلك الحصة الساخنة.
بالنسبة للمستخدم العادي، لا تزال وثائق التأمين الشاملة للمحافظ نادرة، لكن مزوّدين مثل Coincover بدأوا تقديم وثائق حماية للمحافظ الشخصية، تعوّض عن السرقات من المحافظ الساخنة حتى حدود معيّنة، شريطة استخدام تقنيتهم لمراقبة المعاملات. مع ذلك، تبقى نقطة أساسية: تأمين الأصول ذات الحفظ الذاتي غالباً لا يغطي الأخطاء الشخصية الواضحة (مثل نسيان كلمة المرور أو الوقوع في فخ تصيّد)، ما لم تنص الوثيقة صراحة على خلاف ذلك.
ولا يغطي أي تأمين "مخاطر السوق": إذا هبطت قيمة العملات 50% بسبب تقلبات الأسعار، فهذه خسارة استثمارية لا يمكن تأمينها. تأمين العملات المشفّرة يركّز على المخاطر التشغيلية والأمنية، لا على تقلب الأسعار.
ثانياً: الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)
الـNFTs أدخلت فئة جديدة من الأصول الرقمية: مقتنيات رقمية، أعمال فنية، عناصر ألعاب وغيرها، يمكن أن تبلغ قيمتها الملايين، وتتميّز بفرادة يُثبتها سجل البلوك تشين.
مخاطر متشابهة مع العملات المشفّرة
من الناحية الأمنية الأساسية، تخضع الـNFTs لنفس منطق المحافظ:
- تُخزَّن في محافظ رقمية: إذا تعرّضت المحفظة للاختراق، يمكن نقل الـNFTs وسرقتها تماماً كما يحدث مع العملات.
- استهداف جامعي الـNFTs الكبار: شفافية السجلات على السلسلة تجعل حيازة الـNFTs عالية القيمة مرئية للعلن، ما يحوّل أصحابها إلى أهداف مفضّلة لعمليات التصيّد والهندسة الاجتماعية.
شهد السوق حادثة بارزة عندما خسر أحد جامعي مجموعة Bored Ape Yacht Club العشرات من الرموز بقيمة تتجاوز 2.5 مليون دولار، إثر اختراق محفظته بعد عملية تصيّد. وفي فبراير 2022 تعرّضت منصة OpenSea – أكبر سوق للـNFTs حينها – لاستغلال خلل في آلية "الهجرة" أدّى إلى سرقة نحو 250 رمزاً بقيمة تقارب 1.7 مليون دولار من المستخدمين.
مصطلح "غير قابل للاستبدال" يعني "فريد" وليس "غير قابل للسرقة": الـNFT يمكن سرقته ونقله مثل أي أصل رقمي آخر.
تعقيدات إضافية: التقييم والأصالة
التأمين يتطلّب القدرة على تقييم الأصل والتحقق من الخسارة. هنا تبرز مشكلتان:
- التقييم المتذبذب: أسعار الـNFTs قد تكون شديدة التقلب ومرتبطة بالمضاربة والموضة، شبيهة إلى حد كبير بسوق الفن. رمز يُباع اليوم بـ300 ألف دولار قد لا يجد من يشتريه غداً بـ50 ألفاً.
- سؤال القيمة المؤمّنة: هل تعتمد شركة التأمين على سعر الشراء، أم القيمة السوقية وقت الخسارة، أم قيمة متفقاً عليها مسبقاً (Agreed Value)؟ هذا الجدل يُعقّد تسعير الأقساط ومعالجة المطالبات.
- إشكالية الملكية والاسترداد: الـNFT المسروق يمكن تتبّعه بسهولة لأنه فريد ومسجّل على السلسلة، ومع ذلك تُباع الرموز المسروقة أحياناً بسرعة وبخصم كبير. هذا يثير تساؤلات حول قابلية الاسترداد ومشروعية الملكية اللاحقة.
كل هذه العوامل تجعل اكتتاب مخاطر الـNFT مهمة معقّدة. حتى وقت قريب، كانت العروض المباشرة لتأمين الـNFT للأفراد شبه معدومة. تحليل صدر في 2022 أشار إلى أنه "حتى تاريخ النشر، يوجد منتج تأميني واحد فقط متاح بشكل عام للـNFTs – عبر Coincover"، التي قدّمت تغطية للأفراد حتى 100 ألف دولار، إضافة إلى حلول للشركات.
في مارس 2022، أعلنت شركة الوساطة IMA عن استثمار في البحث والتطوير لفهم مخاطر الـNFT وتصميم منتجات اكتتاب متخصصة، معتبرة فجوة السوق فرصة تجارية واضحة.
مخاطر تقنية وقانونية خاصة بالـNFTs
إلى جانب السرقة، هناك مخاطر أخرى رئيسية:
- ثغرات العقود الذكية: سواء في عقد الـNFT نفسه أو في السوق الذي يُتداول عبره، قد تسمح الثغرات بتزوير رموز مكررة أو نقل الرموز دون موافقة المالك.
- ضياع البيانات (Metadata): كثير من الـNFTs لا تُخزّن مادتها (الصورة أو الفيديو) على السلسلة، بل على خوادم أو خدمات خارجية (مثل IPFS أو خوادم مركزية). تعطل تلك الخدمة أو إغلاقها قد يؤدي إلى فقدان الوسائط أو الميتاداتا المرتبطة بالرمز.
وثائق التأمين التقليدية – سواء لتأمين الممتلكات أو تأمين الهجمات السيبرانية – غالباً لا تتعامل بوضوح مع هذا النوع من الأصول، وبعضها يستثني صراحة "الرموز المشفّرة" أو "الأصول الرقمية غير الملموسة". بالنسبة للشركات التي تدير منصات NFT، قد توفّر وثائق التأمين السيبراني تغطية لاختراق المنصات أو أعطال الخوادم، لكن جامعي الـNFTs الأفراد نادراً ما يمكنهم الاستفادة من هذه الوثائق.
من هنا تظهر الحاجة إلى "تأمين متخصص للأصول المشفّرة والـNFTs". وعند تأمين رمز غير قابل للاستبدال، يجب تحديد ما الذي يتم تأمينه تحديداً:
- هل التأمين يطال "الرمز" نفسه (Token) فقط؟
- أم يشمل مشروعية الميتاداتا وصحة الرابط إلى الوسائط؟
- ماذا لو ظل الرمز موجوداً على السلسلة لكن فقدت البيانات المرتبطة به خارجها؟
نائبة رئيس Coincover، شارون هينلي، لخّصت الإشكالية في مقابلة مع Motley Fool قائلة: "على ماذا تشتري الحماية بالضبط؟ على الرمز نفسه؟ على صحة الميتاداتا؟... من المهم أن تفهم طبيعة الحماية التي تشتريها."
نظراً لحداثة منظومة الـNFT، لا تزال صياغات وثائق التأمين الخاصة بها في طور التشكّل، وعلى العملاء قراءة الشروط بعناية لمعرفة ما الذي يفعّل المطالبة فعلياً. ومع نضوج السوق وتوافر بيانات أوضح عن الخسائر، قد نشهد وثائق متخصّصة للـNFTs، أقرب إلى تأمين الأعمال الفنية الراقية، تراعي هذه التفاصيل. إلى حينه، غالباً ما تأتي حماية الـNFTs في إطار وثائق "تأمين المحافظ" العامة، التي تغطي سرقة أي أصول داخل المحفظة، سواء كانت رموزاً قابلة للاستبدال أو غير قابلة للاستبدال، أو عبر ترتيبات خاصة مخصّصة لعملاء كبار.
ثالثاً: مراكز التمويل اللامركزي (DeFi)
المشاركة في بروتوكولات DeFi – مثل إقراض العملات عبر Aave، أو توفير السيولة على Uniswap، أو استخدام مجمّعات العوائد (Yield Aggregators) – تعرّض المستثمر لنمط آخر من المخاطر، يتجاوز مجرد الاحتفاظ السلبي بالأصول:
1. مخاطر العقود الذكية
الركيزة الأساسية لـDeFi هي العقود الذكية. أي خلل برمجي أو تصميمي فيها يمكن أن يستغله مهاجمون لسحب الأموال من البروتوكول. حصيلة هذه الهجمات ضخمة:
- في 2021 وحده، قُدِّر إجمالي الخسائر من اختراقات واستغلالات DeFi بأكثر من 10.5 مليار دولار.
- من الأمثلة البارزة: اختراق Rari Capital الذي أضاع حوالي 80 مليون دولار بسبب ثغرة من نوع "إعادة الدخول" (Reentrancy).
- هجوم الحوكمة على Beanstalk الذي استولى فيه مهاجمون على نحو 181 مليون دولار باستخدام "قرض فوري" (Flash Loan) لاكتساب قوة تصويت كافية لتمرير مقترح خبيث ونهب أموال البروتوكول.
2. مخاطر التصميم الاقتصادي (Economic Design Risk)
حتى مع خلو الشفرة من الأخطاء التقنية، قد ينهار بروتوكول DeFi بسبب قصور في تصميم النموذج الاقتصادي أمام ظروف سوقية قاسية.
انهيار العملة المستقرة الخوارزمية TerraUSD (UST) في مايو 2022 يقدَّم كدراسة حالة نموذجية: آلية الربط (Peg) بالدولار كانت "تعمل كما صُمّمت"، لكن عند اهتزاز ثقة السوق فقدت UST ارتباطها بالدولار ودخلت في دوامة هبوطية أوصلتها إلى سنتات معدودة، مسبّبة خسائر تُقدّر بنحو 17 مليار دولار لحملة العملة. من منظور التأمين لم يكن ذلك "اختراقاً"، بل فشلاً اقتصادياً، لكنه أنتج خسائر فعلية دفعت بعض مزوّدي التأمين إلى ابتكار منتجات خاصة مثل "تأمين فك الربط" (Depeg Insurance) لتغطية هذا النوع من الأحداث.
3. مخاطر الأوراكل (Oracles)
عديد من بروتوكولات DeFi تعتمد على "أوراكل" لأسعار السوق لتحديد القيمة العادلة للأصول واتخاذ قرارات تلقائية مثل التصفية أو تسوية المراكز. خلل في بيانات الأوراكل – نتيجة انقطاع الخدمة، أو تأخر التحديثات، أو تلاعب متعمّد في سوق ضعيف السيولة – يمكن أن يؤدي إلى:
- تصفيات خاطئة لمراكز سليمة.
- منح قروض غير مغطاة بضمانات كافية.
- فتح باب لاستغلال الأسعار المتلاعب بها.
تعرّض بروتوكول Inverse Finance في 2022 لخسارة بنحو 15 مليون دولار عندما تلاعب مهاجم بسعر رمز الحوكمة الخاص بالبروتوكول والمستخدم كضمان، ما خدع النظام ليمنح قروضاً غير مغطاة بكفاية.
في المجمل، تُظهر هذه الأمثلة أن تأمين الأصول المشفّرة لم يعد مسألة "سرقة محفظة" فحسب، بل بات يتطلّب فهماً دقيقاً لطبيعة الأصول (عملات، NFTs، مراكز DeFi)، وطريقة الحفظ (ساخنة أم باردة)، والطبقة البرمجية والاقتصادية التي تعمل عليها هذه الأدوات. شركات التأمين التي تسعى لدخول هذا المجال تحتاج إلى نماذج تسعير جديدة، وخبرة تقنية متعمّقة، وبنود تغطية أكثر دقة، بينما على المستثمرين والمستخدمين قراءة وثائق التأمين بعين فاحصة لمعرفة ما هو مغطّى فعلاً، وما يظل خارج نطاق الحماية.الهجمات المرتبطة بأتمتة العمليات على السلسلة تُعد ظاهرة خاصة بالتمويل اللامركزي DeFi، وقد تصاعدت وتيرتها في السنوات الأخيرة لتسهم في خسائر تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات في هذا القطاع.
فئة أخرى من المخاطر تتمثل في هجمات الحوكمة على البروتوكولات اللامركزية. ففي حال تركز رموز الحوكمة في أيدي عدد محدود من المالكين أو إمكانية شرائها بكلفة زهيدة، يمكن لجهة خبيثة أن تستحوذ سريعًا على حصة تصويتية كافية لتمرير مقترحات تعيد توجيه الأموال لصالحها. استغلال Beanstalk الشهير اعتمد تمامًا على هذه الآلية: المهاجم جمع مؤقتًا أغلبية الأصوات ثم نفّذ عملية سحب احتيالية للأموال.
أما الخطر الثالث فيتعلق بالطرف الحاضن للأصول عند نقطة التقاء DeFi مع التمويل المركزي CeFi. فعدد كبير من مستخدمي DeFi لا يزال يعتمد على البورصات المركزية للدخول والخروج من العالم النقدي التقليدي أو لنقل الأصول بين الشبكات. وإذا ما أقدمت تلك المنصات على تجميد السحوبات أو أعلنت إفلاسها – كما حدث مع Celsius وVoyager في 2022 – قد يجد المستخدمون أن مراكزهم في DeFi أصبحت “عالقة” أو فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها. هذا الواقع أفرز منتجات تأمين/تغطية متخصصة ضد “تخلّف البورصة عن السداد” أو “مخاطر الأمناء”، بحيث يتعهد مزوّد تغطية لامركزي بدفع تعويض إذا أوقفت بورصة كبرى تحتفظ بأصولك عمليات السحب. عمليًا، ورغم أن هذا الخطر لا ينشأ عن خلل في العقود الذكية ذاتها، بات معترفًا به كخطر من عالم CeFi ينعكس مباشرة على مستخدمي DeFi، ما دفع بعض الصناديق mutuals إلى طرح منتجات حماية تجسر هذه الفجوة.
في ضوء هذا الطيف الواسع من المخاطر، لا يبدو مستغربًا ظهور فئة جديدة بالكامل من منتجات الحماية غالبًا ما تُسمّى “DeFi Cover” بدلًا من التأمين التقليدي. اليوم، توجد منتجات تغطية DeFi عبر نحو ثماني فئات رئيسية، تشمل تغطية اختراقات البروتوكولات، وتغطية “انفصال” أو فقدان ربط العملات المستقرة (depeg)، وتغطية رموز العائد (yield-bearing tokens) ضد انحراف أسعار الحصص – كما في حالات صناديق Yearn عند حدوث عجز – وغيرها. لكل فئة محفزات (Triggers) وشروط استثناء خاصة، إذ لا يزال العمل جاريًا على توحيد المعايير. على سبيل المثال، “تغطية البروتوكول” قد تمتد لتشمل مزيجًا من الاستغلالات التقنية، والإخفاقات التشغيلية، وربما حتى هجمات الحوكمة، لكن كل مزوّد يعرّف نطاق الحماية بطريقته. بالنسبة للمستخدم، قراءة الشروط الدقيقة أمر حاسم: فبعض المنتجات تدفع تعويضًا عند أي نوع من الاختراق، بينما لا تدفع أخرى إلا في حال ثبوت ضياع الأموال بشكل لا رجعة فيه؛ فإذا أعاد المخترِق الأموال لاحقًا، قد لا يُقبل طلب التعويض.
الخلاصة أن مراكز DeFi عالية المخاطر، وفي الوقت نفسه شديدة الحاجة إلى تغطية تأمينية. بمجرد إيداع أصولك في عقد ذكي، تصبح مكشوفًا بالكامل لتصميم ذلك العقد وجودة شفرته. إذا تعرّض العقد لعطب جوهري، قد يستحيل عليك استرداد أصولك – وهو نمط مخاطر يختلف جذريًا عن الاحتفاظ بأموالك لدى بنك خاضع لتنظيم وضمانات قانونية. التأمين على الأصول الرقمية في DeFi يحاول سد هذه الفجوة. حتى الآن، لا تغطي وثائق التأمين سوى جزء ضئيل من إجمالي القيمة المقفلة (TVL) في DeFi، لكن مع تراكم “قصص الرعب” – مثل انهيار UST – ازداد إقبال المستخدمين على شراء التغطية. انهيار ربط UST في 2022 شكّل حالة اختبار محورية عززت الثقة في تأمين DeFi: إذ دفعت منصات مثل Nexus Mutual وInsurAce وRisk Harbor وغيرها مجتمعة نحو 22–25 مليون دولار لحملة وثائق تغطية “فك الربط” (depeg) على UST أو بروتوكولات مرتبطة به. في حالة InsurAce، تمت الموافقة على 98% من طلبات تعويض depeg على UST، ما أثبت قدرة هذه الكيانات البديلة على التدخل في الأزمات وإنقاذ جزء من رؤوس أموال المستثمرين من “الإعدام الكامل”. تجربة Terra أكدت – كما علّق أحد أعضاء فريق InsurAce – أن الحاجة إلى التأمين في عالم الكريبتو لم تكن يومًا أكثر وضوحًا.
في المحصلة، يواجه مستخدمو الأصول الرقمية باقة معقّدة من المخاطر: السرقة والاختراقات، الأعطال التقنية، الأخطاء البشرية، الاحتيال، وصولًا إلى المصادرة أو التجميد التنظيمي (خطر إضافي يتمثل مثلًا في قيام حكومة بفرض عقوبات على بروتوكول أو عنوان معيّن بما قد يقيّد الوصول إلى الأموال). غالبًا ما يفشل التأمين التقليدي في استيعاب هذه المخاطر ضمن إطاره الكلاسيكي، وهو ما يفسّر بروز منتجات تأمينية متخصصة بالكريبتو. سواء تعلق الأمر بمحفظتك الشخصية التي قد تتعرض للاختراق، أو برمز NFT عالي القيمة “يُسرق”، أو بمزرعة عائد في DeFi تنهار بسبب ثغرة في الكود، تبقى السيناريوهات مقلقة – لكن فهمها يمثل الخطوة الأولى نحو التحوّط. بعد استعراض ما يمكن أن يحدث خطأ، يحين الوقت للانتقال إلى سؤال “من يقدّم الحماية ضد هذه الأحداث؟”: مزوّدو التأمين على الأصول الرقمية، المركزيون واللامركزيون.
مزوّدو التأمين على الأصول الرقمية: مركزيون مقابل لامركزيين
يُقدَّم التأمين في سوق الكريبتو اليوم عبر نموذجين رئيسيين: مزوّدو التأمين التقليديون المركزيون (ويشملون شركات تأمين راسخة أو شركات ناشئة تعمل ضمن الإطار النظامي للتأمين)، ومنصّات تأمين لامركزية تستند إلى البلوكتشين والرموز وتجمُّع المخاطر المجتمعي. كلا الطرفين يستهدف تغطية المخاطر المرتبطة بالكريبتو، لكن آليات عملهما تختلف جذريًا. في ما يلي عرض موجز لكل جانب، قبل مقارنة بعض اللاعبين الرئيسيين ومنتجاتهم وكيفية تمايزهم من حيث نطاق التغطية ومستوى الثقة.
المزوّدون التقليديون والمركزيون
على جانب المركزية، نجد كيانات تشبه إلى حد بعيد شركات التأمين أو السماسرة التقليديين: تصدر وثائق تأمين بعقود قانونية، غالبًا مدعومة بميزانيات تأمينية ضخمة أو من خلال سوق لويدز في لندن (Lloyd’s of London). عادةً ما تشترط هذه الجهات على العملاء المرور بإجراءات “اعرف عميلك” (KYC)، وغالبًا ما تركّز على المؤسسات والعملاء ذوي الملاءة العالية أكثر من الهواة الأفراد. هذه المزوّدات تجلب معها ثقل المصداقية والامتثال التنظيمي لصناعة التأمين، لكنها في المقابل أقل مرونة وتفرض عوائق دخول أعلى، سواء عبر عمليات اكتتاب طويلة أو نطاقات تغطية محدودة.
يستحق Lloyd’s of London أن يُذكر أولًا كسوق تأميني تاريخي لعب دورًا محوريًا في تطوير تأمين الأصول الرقمية. لويدز ليس شركة واحدة بل سوقًا يضم “سنديكات” تتقاسم الاكتتاب في المخاطر. خلال السنوات الأخيرة، أطلقت سنديكات لويدز عدة وثائق مبتكرة للكريبتو. سبق أن تناولنا وثيقة محفظة التخزين الساخن (Hot Wallet) التي أطلقها سنديك Atrium بالتعاون مع Coincover في 2020 – في خطوة رائدة قدّمت للمرة الأولى “ضمانًا مدعومًا من لويدز ضد سرقة المحافظ الساخنة”، مع حد تغطية ديناميكي يتتبع أسعار العملات المشفرة. هذه الوثيقة كانت مدعومة بلوحة من شركات لويدز (بينها Tokio Marine Kiln وMarkel) عبر “منشأة ابتكار المنتجات” في لويدز – وهي بمثابة حاضنة لتجربة المخاطر الجديدة. نجاح الإطلاق أثبت أن سوق لويدز، المعروف تاريخيًا بتأمين السفن والكنوز، قادر على تكييف خبرته مع عالم الرموز الرقمية. كما قال رئيس الابتكار في لويدز: “هناك طلب متزايد على منتجات تأمينية تحمي العملات المشفرة… لويدز هو البيت الطبيعي لابتكار التأمين بفضل قدرة سنديكاته الفريدة على التعاون لتأمين مخاطر جديدة”. نموذج لويدز التعاوني يتلاءم فعليًا مع تحديات الكريبتو: إذ يستطيع عدد من المكتتبين اقتسام أجزاء من مخاطر كبيرة متعلقة بالأصول الرقمية، ما يوزّع العبء. هذا ما حدث مثلًا في وثيقة Kingdom Trust (لم يُسمّ المُؤمِّن لكن يُرجّح مشاركة عدة سنديكات)، وفي حالات أخرى لاحقة. وفي 2023، وكما ذُكر سابقًا، دخل Syndicate 2012 التابع لـArch في لويدز (والمدار من Arch Capital) في شراكة مع شركة Evertas المتخصصة في الكريبتو لإصدار وثيقة ضخمة بقيمة 420 مليون دولار لتغطية أصول حضانة. عمليًا، تضخ Arch (شركة تأمين تقليدية) القدرة الاستيعابية، بينما تقوم Evertas – بصفتها “Coverholder” لدى لويدز – بتقييم المخاطر والاكتتاب نيابةً عنها. وقد وصفت Evertas هذه الوثيقة بأنها أكبر حد تأميني فردي متاح لأصول الكريبتو من مؤمِّن واحد، دون الحاجة لصف طويل من المشاركين في التأمين المشترك. هذه الخطوات من سنديكات لويدز تُوسّع الطاقة الاستيعابية لتأمين اللاعبين الكبار مثل البورصات، وهي نقطة حاسمة في حقبة ما بعد FTX، حيث يطالب المنظّمون والعملاء بضمانات قوية بألا تتبخر الأموال ببساطة.
إلى جانب لويدز، أنشأت بعض شركات التأمين والسماسرة التقليديين أذرعًا متخصصة في الأصول الرقمية. في عالم الوساطة، أسست كلٌّ من Aon وMarsh فرقًا لمخاطر الأصول الرقمية ساعدت في ترتيب وثائق لعشرات شركات الكريبتو. لعبت Marsh دورًا في ترتيب وثيقة “تأمين فائض” (Excess) بقيمة 150 مليون دولار لـCoinbase قبل سنوات، وكذلك في حل Captive لصالح Gemini. على جانب شركات التأمين، تدرس Munich Re – واحدة من أكبر شركات إعادة التأمين في العالم – مخاطر الكريبتو بهدوء، وقدّمت بالفعل برامج إعادة تأمين لعدد من الشركات الناشئة (أعادت ميونيخ ري تأمين وثيقة Chainproof التجريبية في 2022). كما استثمرت Sompo اليابانية الكبرى مباشرة في Chainproof وتدعم اكتتابه، بينما تُشير تقارير إلى أن Allianz بدأت تطوير منتجات لتأمين الكريبتو. شركة Arch المتخصصة لا تنشط فقط عبر لويدز، بل تكتب كذلك وثائق تأمين كريبتو عبر ذراعها Arch Insurance (UK). وفي الوقت ذاته، دخل عدد من شركات التأمين الأصغر في سوق لندن وأوروبا – خصوصًا ذات الخبرة في تأمين المخاطر السيبرانية أو السبائك الثمينة (specie) – إلى سوق تغطية الكريبتو على أساس كل حالة على حدة. في الولايات المتحدة، حذّر “الاتحاد الوطني لمفوضي التأمين” (NAIC) شركات التأمين من التعرض المفرط لمخاطر الكريبتو، ويمنع في الغالب الشركات الخاضعة للتنظيم من الاحتفاظ بالعملات المشفرة على ميزانياتها، لكنه لم يمنع شركات “خطوط الفائض” (Surplus Lines) – العاملة خارج الأطر التنظيمية القياسية للمخاطر العالية – من توفير تغطية لمشاريع الكريبتو في قطاعات محددة.
تعد Coincover مثالًا بارزًا على شركة Insurtech تتقاطع مع عالم الكريبتو. تأسست في المملكة المتحدة في 2018، وتقدّم نفسها ليس كشركة تأمين بالمعنى القانوني المباشر، بل كمزوّد لحلول “أمن وتأمين الكريبتو”. عرضها يقوم على مزج التكنولوجيا بالتغطية التأمينية: إذ توفّر أنظمة لحماية مفاتيح المحافظ الخاصة (من خلال نسخ احتياطية مشفّرة ومراقبة للمعاملات)، وفي حال وقوع خلل أو اختراق، تتدخل “ضمانة مدعومة بالتأمين” لتعويض الخسارة. تُستخدم خدمات Coincover من جانب عدد من مزوّدي المحافظ والبورصات لإضافة طبقة حماية إضافية. ووفق مراجعة قانونية متخصصة، توفّر Coincover “خدمات أمنية وتغطية محدودة للأفراد الذين يحتفظون بأصولهم في قرابة 20 محفظة وبورصة من بينها Crypto.com”. فعلى سبيل المثال، عقدت Ledger، الشركة المصنعة للمحافظ الصلبة، شراكة مع Coincover لخدمة Ledger Recover الاختيارية، التي تعتمد على تخزين أجزاء من المفاتيح بشكل مشفّر، ومدعومة كذلك بضمان تأميني.تقدّم بعض الجهات حلول ضمان للمستخدمين في حال تعطل الخدمة. في سوق الـNFT، أطلقت شركة Coincover في عام 2022 منتجاً لحماية مقتنيات الـNFT يصل سقفه إلى 100 ألف دولار للأفراد. عملياً، تعمل Coincover كوسيط واجهة مع حامل الوثيقة؛ أما التغطية الفعلية فتأتي من شركات تأمين كبرى (مثل سنديكات لويدز)، فيما تبقى Coincover العلامة التجارية والقناة المباشرة مع العميل. من منظور المستخدم، إذا كانت محفظتك مغطاة عبر Coincover ثم تعرّض مزوّد المحفظة لاختراق أدى إلى سرقة أموالك، قد تكون مؤهلاً لاسترداد جزء من الخسارة وفقاً لشروط التغطية.
نموذج عمل Coincover يوضح طريقة تكامل مزوّدي الخدمات المركزيين مع منصات الأصول المشفّرة: بدلاً من بيع وثائق مباشرة للأفراد، تعقد الشركة شراكات مع مزوّدي المحافظ أو البورصات لإضافة التأمين كميزة مضمَّنة في الخدمة. هذا يسهّل التوزيع ويضمن مستوى معيناً من الضوابط الأمنية، لأن الطرف الشريك يُلزَم بتطبيق تقنيات Coincover. توسّع Coincover ونموّها يبرزان حقيقة أساسية في تأمين الأصول المشفّرة: تخفيف مخاطر التكنولوجيا يسير غالباً جنباً إلى جنب مع التأمين. شركات التأمين تريد أن ترى بنية أمنية قوية (محافظ متعددة التوقيع، تشفير، أنظمة مراقبة)، وفي حالات كثيرة توفّر هي نفسها أو شركات الـInsurtech الأدوات التقنية التي تقلّص احتمال وقوع المطالبات من الأساس.
لاعب مركزي آخر هو Chainproof. كما أُشير سابقاً، تُعد Chainproof مزوّد تأمين منظَّم يركّز بشكل خاص على عقود DeFi الذكية. تعمل وفق بنية تأمين تقليدية (وثائق، إدارة مطالبات، إشراف تنظيمي من برمودا، إلخ)، لكن الاكتتاب فيها قائم على خبرة عميقة في أمن البلوكتشين. من خلال احتضان Quantstamp لمشروع Chainproof، لعبت Quantstamp عملياً دور مكتتب تقني، مستفيدة من خبرتها في تدقيق أصول رقمية تفوق 200 مليار دولار لتقييم مخاطر البروتوكولات.
أهمية إطلاق Chainproof أنها استهدفت صراحةً المستثمرين المؤسسيين في DeFi الذين لا يمكنهم استخدام تجمعات التغطية اللامركزية غير المرخّصة لأسباب امتثال. على سبيل المثال، قد يرغب صندوق تحوّط أميركي في ضخ سيولة في بروتوكول DeFi، لكن قواعده الداخلية قد تشترط وجود تأمين ضد الاختراق من جهة مرخّصة. Chainproof، بدعم من شركات مثل Sompo وMunich Re، تستطيع إصدار وثيقة تأمين نظامية لهذا الصندوق، بما يرضي لجنة المخاطر لديه. في مرحلتها الأولى، خططت Chainproof لتغطية مجموعة صغيرة من بروتوكولات DeFi الخاضعة للتدقيق، مع حد تغطية يقارب 10 ملايين دولار كمرحلة تجريبية، تمهيداً للتوسع لاحقاً. كما حصلت على رسائل دعم من معيدي تأمين كبار، وهو أمر لافت؛ إذ يشير إلى استعداد قطاع إعادة التأمين التقليدي من حيث المبدأ لتحمّل مخاطر الأصول المشفّرة إذا جرى هيكلتها بالشكل الملائم. Chainproof ومبادرات مشابهة (ومنها مشروع قيل إن فريق Euler Finance يدرسه لإنشاء جهة تأمين على السلسلة) تعكس تقاطعاً متزايداً بين رأس المال التقليدي ونماذج تسعير المخاطر المتخصّصة في الكريبتو.
من الجدير أيضاً التوقف عند شركة Evertas الأميركية، المتخصصة في تأمين الأصول المشفّرة. تُعتبر Evertas من أوائل الشركات الناشئة التي ركّزت حصراً على هذا النوع من التأمين. حصلت على رخصة كمؤمّن في برمودا، وأصبحت في 2022 أيضاً Coverholder لدى لويدز. استراتيجيتها تقوم على التعاون الوثيق مع شركات تأمين كبيرة (مثل Arch ضمن سوق لويدز) لزيادة حدود التغطية وبناء برامج تأمين موجهة إلى البورصات، وأمناء الحفظ، وحتى معدّات التعدين.
تقرير لوكالة رويترز في 2023 عن وثيقة بقيمة 420 مليون دولار صادرة عن Evertas/Arch أشار أيضاً إلى أن Evertas باتت قادرة على تأمين عتاد التعدين حتى 200 مليون دولار من القيمة، أي ما يشبه تأمين الممتلكات لمزارع التعدين الكبرى. هذا التنويع في المنتجات – تغطية جرائم السرقة (مثل سرقة المفاتيح) إلى جانب الممتلكات (البنية التحتية للتعدين) – من خلال شركة متخصّصة في الكريبتو، يعد مؤشراً إضافياً على نضوج السوق. تقول Evertas إن ما بين 2–3% فقط من أصول الكريبتو مؤمَّن حالياً، لكن شركات التأمين المتحفظة بدأت تقتنع بأن حجم النشاط والطلب أصبح كافياً لدعم منتجات مخصّصة لهذا القطاع.
Evertas وشركات شبيهة تكتتب عادةً تشكيلة واسعة من أنواع الوثائق: تأمين الجريمة (يدفع تعويضاً إذا تمت سرقة المفاتيح الخاصة)، تأمين الـSpecie (يغطي الأصول المحفوظة في خزائن فعلية)، تأمين المسؤولية المهنية لمقدّمي خدمات الكريبتو الذين قد يتعرّضون لدعاوى قضائية، وغيرها. عملياً، تعمد هذه الجهات إلى إعادة ترجمة خطوط التأمين التقليدية (الممتلكات، الجريمة، المسؤولية المهنية، تأمين المدراء والضباط D&O، إلخ) إلى سياقات تتناسب مع الأصول المشفّرة. على سبيل المثال، وثيقة Tech E&O أو Cyber لصالح بورصة أصول مشفّرة قد تغطي خسائر ناجمة عن خرق أمني، فيما تغطي وثيقة D&O لمديري شركة كريبتو التكاليف القانونية في حال مقاضاتهم بدعوى سوء إدارة، وهو سيناريو شهدناه بالفعل في هذا القطاع.
مع ذلك، غالباً ما تفرض شركات التأمين المركزية قيوداً صارمة على نطاق التغطية وشروطها. معظم الوثائق تتطلّب عملية اكتتاب تفصيلية؛ حيث يجري تفحّص بروتوكولات الأمان لدى طالب التأمين، وطلب تقارير تدقيق فنية، مع وضع حدود فرعية (Sublimits) واستثناءات محددة في كثير من البنود. استثناء شائع في وثائق أمناء الحفظ هو استبعاد أي خسارة ناجمة عن إهمال جسيم من جانب موظفي أمين الحفظ نفسه أو عن أخطاء المستخدمين خارج نطاق سيطرته. قيد آخر نموذجي: قد تغطي الوثيقة حوادث السرقة فقط، ولا تعوّض عن “اختفاء غامض” للأصول ما لم يُثبت أنه سرقة، وذلك لتفادي الجدل حول ما إذا كان السبب قرصنة خارجية أم عملية من الداخل.
على هذه الجهات أيضاً أن تحسم آلية دفع التعويضات: هل تكون بالعملة التقليدية (Fiat)، أم بالعملات المشفّرة، أم يترك الخيار للمؤمَّن له؟ تقلب أسعار العملات المشفّرة يخلق تحديات حقيقية؛ فإذا أمّنت شركة بورصة على 100 مليون دولار من البيتكوين، ثم تضاعفت قيمة البيتكوين، فهل تصبح شركة التأمين ملزمة فعلياً بـ200 مليون دولار إذا لم يكن هناك حد ثابت في الوثيقة؟ لهذا كان طرح وثيقة Lloyd’s–Coincover ذات الحد الديناميكي مثيراً للاهتمام، إذ عالج هذه المعضلة من خلال ربط حد التغطية بالقيمة اللحظية للعملة. في غياب حلول كهذه، تميل الشركات لتحديد السقوف بالدولار أو بعملات تقليدية أخرى مع مراجعتها دورياً أو عند تجديد الوثيقة.
حدود التغطية لدى المؤمّنين المركزيين تختلف على نطاق واسع: شركات ناشئة صغيرة قد لا تحصل إلا على وثائق بقيمة 5 ملايين دولار، في حين باتت البورصات الكبرى قادرة على تأمين حدود إجمالية بين 100 و750 مليون دولار عبر طبقات متعدّدة (وغالباً يكون هذا المجموع موزعاً بين عدة شركات ومنتجات مختلفة). وثيقة 420 مليون دولار الصادرة عن Arch/Evertas تُعد حالة استثنائية؛ الأكثر شيوعاً أن تتقاسم عدة شركات الخطر على شكل شرائح قدرها مثلاً 50 مليون دولار لكل شركة، لتغطية بضع مئات من ملايين الدولارات مجتمعة. للمقارنة، التجمعات اللامركزية (مثل Nexus Mutual وغيرها) لا تزال تمتلك رؤوس أموال في حدود مئات الملايين من الدولارات كحد أقصى، ما يقيّد قدرتها على رفع حدود التغطية لكل بروتوكول. تاريخياً، كانت حدود Nexus لكل خطر لا تتجاوز بضعة ملايين، وإن كانت قادرة مؤخراً على عرض حدود تصل إلى 20 مليون دولار للخطر الواحد عبر آلية “تجمعات السنديكات”.
قبل الانتقال إلى مزوّدي التأمين اللامركزي، يمكن تلخيص أبرز اللاعبين المركزيين وأدوارهم كالتالي:
- سنديكات لويدز (مثل Atrium وArch وغيرها): من أوائل من طوّر تغطية للمحافظ الساخنة (Hot Wallets) ووثائق كبرى لحفظ الأصول، وتعمل غالباً عبر وسطاء لتأمين البورصات وأمناء الحفظ ومزوّدي المحافظ. لويدز توفّر “البنية التحتية” لعدد كبير من صفقات تأمين الكريبتو من خلال تجميع عدة مؤمّنين لتقاسم المخاطر، كما تشجّع الابتكار عبر منصات مثل Product Innovation Facility.
- Coincover: شركة Insurtech توفّر حماية محافظ وتأميناً على الـNFT للأفراد والشركات. تعمل كقناة تمر عبرها التغطية التأمينية، إذ تعقد شراكات مع مكتتبين لتغطية خسائر محددة (مثل اختراق المحفظة أو عمليات الاحتيال المتصلة بخدمة المعاملات المحمية). تركّز Coincover على جانب الوقاية (النسخ الاحتياطي للمفاتيح، فحص المعاملات) مع ربطه بضمان مدعوم بوثائق تأمين.
- Evertas: شركة متخصّصة تعمل ضمن سوق لويدز وخارجه، تركز على وثائق تجارية كبرى لشركات الكريبتو. تجلب معها صرامة معايير التأمين التقليدي إلى عملية اكتتاب مخاطر الأصول المشفّرة، وتزعم أنها أول مؤمّن مكرَّس لهذا المجال. ومن خلال شراكاتها (مثل التعاون مع Arch) دفعت حدود الطاقة الاستيعابية إلى مستويات غير مسبوقة.
- Chainproof: مؤمّن منظم يركّز على DeFi، يوفّر جسراً للمستثمرين المؤسسيين الراغبين في تغطية مخاطر البروتوكولات اللامركزية. مدعوم برؤوس أموال من شركات تأمين كبرى لكنه يُدار من جانب خبراء أمن بلوكتشين، وهو لاعب مركزي لأنه يصدر وثائق تقليدية، لكنه فريد في تركيزه على مخاطر غير حفظية (عقود ذكية) كانت خارج نطاق شركات التأمين التقليدية تقريباً.
- الوسطاء التقليديون (مثل Aon وMarsh) وشركات التأمين الكبرى (Munich Re وغيرها): لا يتعاملون مباشرةً مع مجتمع مستخدمي الكريبتو لكنهم يعملون في الخلفية لبناء الصفقات. أسهموا في حصول العديد من البورصات على تغطيات تأمينية بهدوء (ولا يُعلن عنها إلا إذا قرّرت البورصة ذلك). على سبيل المثال، كشفت منصة Robinhood أنها حصلت على تغطية من لويدز لأصولها المشفّرة، كما عملت منصات مثل Coinbase وGemini بشكل مكثف عبر هذه القنوات لتأمين محافظها.
غالباً ما تمتد تغطية المؤمّنين المركزيين إلى ما هو أبعد من حوادث السرقة لتشمل المسؤولية المهنية والتغطيات المرتبطة بالامتثال التنظيمي. على سبيل المثال، إذا كان على أمين حفظ للأصول المشفّرة أن يمتلك “سند مؤسسات مالية” أو Crime Bond (يغطي السرقة الداخلية وما شابه)، بدأت شركات مثل Chubb وTravelers بإضافة ملاحق خاصة تشمل الأصول المشفّرة في هذه السندات. وبالمثل، بات تأمين المدراء والضباط (D&O) لشركات الكريبتو مجالاً نشطاً؛ إذ يطلب التنفيذيون حماية في حال تعرضهم لدعاوى من المستثمرين أو لتحقيقات تنظيمية، وهي مخاطر واقعية في هذا القطاع. في هونغ كونغ، ومع تشديد الإطار التنظيمي لمنصات تداول الأصول المشفّرة، يجري التركيز بشكل متزايد على وثائق D&O لحماية الإدارات العليا من المخاطر القانونية. جميع هذه المنتجات تظل ضمن نطاق التأمين المركزي، وتتوسع تدريجياً مع تحسّن وضوح البيئة القانونية.
منصات التأمين اللامركزي
بموازاة اللاعبين التقليديين، نشأ نظام بيئي نشط من منصات التأمين اللامركزي (يُشار إليها كثيراً بمصطلحات مثل تأمين DeFi أو بروتوكولات التغطية). تعمل هذه المنصات على شبكات البلوكتشين (في الأساس على Ethereum وسلاسل متوافقة معها)، وتعتمد على العقود الذكية والرموز الحاكمة وآليات الحوكمة المجتمعية لتوفير التغطيات. في الغالب، لا تمتلك هذه المنصات تراخيص تأمين رسمية؛ بل تُدار كـ مجتمعات تقاسم مخاطر أو منظمات مستقلة لامركزية (DAOs)، حيث يساهم الأعضاء في تجميع السيولة لتعويض المتضررين عند وقوع أحداث محدَّدة وفقاً لقواعد البروتوكول. من الناحية القانونية، كثير منها لا يُعتبر “تأميناً” بالمعنى التنظيمي التقليدي، وإن كان يؤدي وظيفة اقتصادية مماثلة من حيث توزيع الخطر على مجموعة من المشاركين…في الوقت الذي قد تُصنِّف فيه بعض السلطات التنظيمية هذه الآليات كنوع من “التأمين الذاتي” أو “التكافل”، فإنها تؤدي عملياً دوراً اقتصادياً مشابهاً للتأمين. فيما يلي نظرة على أبرز مزوّدي التأمين اللامركزي في DeFi وآليات عملهم:
Nexus Mutual – انطلقت في 2019 وتُعد أول مشروع تأمين فعلي في عالم DeFi. الهيكل القانوني لـ Nexus هو “جمعية تعاونية تقديرية” (Discretionary Mutual)، أي أن للجمعية سلطة تقديرية في دفع التعويضات لأعضائها حتى لو لم تتحقق الشروط القانونية الصارمة حرفياً، وهذا بالضبط سبب تجنّب استخدام وصف “تأمين” رسمياً، رغم أنها تؤدي عملياً وظيفة التأمين لمصلحة الأعضاء.
بدأت Nexus بتقديم تغطية “Smart Contract Cover” ضد الاستغلال غير المقصود لشيفرات العقود الذكية (الاختراقات/الأخطاء البرمجية) في بروتوكولات DeFi المختلفة. ومع الوقت توسّعت لتشمل تغطيات تعثر البورصات المركزية، وإعسار أمناء الحفظ (custodians)، وحتى حوادث فقدان ربط العملات المستقرة (stablecoin depeg).
الانضمام إلى Nexus يتطلّب عضوية مسبقة تشمل إجراءات KYC أساسية وشراء كمية حدّية من رمز العضوية NXM. تُدفع الأقساط التأمينية (Premiums) بعملة NXM أو ETH، وتُبتّ المطالبات عبر تصويت الأعضاء. تمتلك Nexus “صندوق رأسمال” (Capital Pool) مقوّماً أساساً بـ ETH يغطّي جميع الوثائق النشطة، ويتم ضبط ملاءته المالية من خلال منحنى ربط (Bonding Curve) يضبط سعر NXM نسبةً إلى أصول الصندوق والتزاماته؛ أي ما يشبه ميزانية شركة تأمين مؤتمتة على السلسلة. في أواخر 2024 بلغ حجم الصندوق قرابة 200 مليون دولار (مقوّمة بـ ETH)، ما يضع سقفاً إجمالياً للطاقة الاستيعابية لكل بروتوكول أو لكل وثيقة.
ابتكرت Nexus أخيراً آلية “Syndicates” داخل المنصّة، تتيح للأعضاء رهن أموالهم على مخاطر معيّنة مقابل عوائد أعلى، في نموذج شبيه بسوق اللويدز في لندن حيث يوفّر “الأسماء/Names” رأس المال لقطاعات المخاطر المختلفة. مؤسس Nexus، هيو كارب، شبّه أعضاء المنصّة فعلياً بمستثمري Lloyd’s الذين يتحملون المخاطر مقابل العائد.
سجل Nexus يُعد لافتاً؛ فمنذ 2019 يُقدَّر أنها أمنت ما يقرب من 5 مليارات دولار من التغطيات، وسدّدت تعويضات بنحو 18 مليون دولار عن حوادث تراوحت بين اضطراب MakerDAO في 2020 وعدة اختراقات لبورصات. هذه المدفوعات أثبتت قدرة نموذج “الجمعية التعاونية” على العمل؛ إذ يميل الأعضاء، الحريصون على سمعة الكيان، للتصويت لصالح تسوية المطالبات الجديّة.
مع ذلك، تعرّضت Nexus لانتقادات؛ فحملة NXM يشاركون في ملكية الصندوق، ما يخلق حافزاً نظرياً لرفض المطالبات لتجنّب الخسائر، وهي نقطة هاجمها منافسون مثل Risk Harbor. في 2020 أثار رفض أولي لمطالبات مرتبطة باختراق bZx – بذريعة عدم انطباق النصّ الحرفي للوثيقة على الخسارة – جدلاً واسعاً، قبل أن تعيد Nexus صياغة الشروط لتفادي ثغرات مماثلة، وتدفع لاحقاً تعويضات كبيرة مثل 2.4 مليون دولار عن اختراق Yearn Finance في 2021. الحوكمة وآلية إدارة المطالبات هما نقطة حساسة في كل منظومة تأمين لامركزي؛ Nexus تعتمد على نصاب (Quorum) وتصويت بالأغلبية بين “مقيّمي المطالبات” الذين يضعون رموزهم كضمان، مع وجود آلية حوكمة احتياطية نظرياً لعكس قرار ظالم، وإن لم تُستخدم كثيراً عملياً.
يُذكر أن Nexus Mutual تشترط KYC وتُقيّد الوصول من الولايات المتحدة عبر الحجب الجغرافي، تحسّباً للمخاطر التنظيمية. لذا فهي لامركزية من حيث التشغيل والحوكمة، لكنها ليست مفتوحة الانضمام بشكل إذني بالكامل.
InsurAce – أُطلقت مطلع 2021 وتُعد من أبرز بروتوكولات تأمين DeFi الأخرى. قدّمت نفسها كبروتوكول تأمين متعدّد السلاسل وسهل الاستخدام؛ بدأت على شبكة إيثريوم ثم تمدّدت إلى Binance Smart Chain وPolygon وAvalanche وغيرها. أحد الابتكارات الرئيسية كان نموذج “التغطية على مستوى المحفظة”، حيث يمكن للمستخدم شراء وثيقة واحدة تغطي عدة بروتوكولات أو أصول في آن واحد، ما يسمح بتحسين هيكل الأقساط.
يمتلك البروتوكول رمزه الخاص INSUR المستخدم في الحوكمة وتحفيز مزوّدي رأس المال ومقيّمي المطالبات. عملية البتّ في المطالبات تجري عبر تصويت مجتمعي من قبل حاملي INSUR الذين يضعون رموزهم في الرهن، في نموذج قريب من Nexus لكن مع رمز مختلف.
اللحظة الفارقة لـ InsurAce كانت أزمة انفصال عملة UST المستقرة عن ربطها في منظومة Terra في مايو 2022. كانت InsurAce قد باعت وثائق “UST depeg” تدفع تعويضاً في حال هبطت UST دون مستوى معيّن. ومع الانهيار الحاد، تحرّكت InsurAce سريعاً، وأطلقت آلية المطالبات بعد 48 ساعة فقط من الحدث، وانتهت بدفع نحو 12 مليون دولار إلى 155 مستفيداً، مع معدل قبول للمطالبات قالت إنه بلغ 98%. هذا الأداء عزّز مصداقيتها؛ لدرجة أن Cointelegraph نشرت تقريراً أشادت فيه بكيفية “إنقاذ” حاملي UST عبر هذه التغطيات.
لكن إدارة الحدث لم تخلُ من انتقادات؛ فقد أعلنت InsurAce بشكل مفاجئ تقليص مهلة تقديم المطالبات من 15 يوماً إلى 7 أيام بالنسبة لتغطيات UST، ما أربك بعض المستخدمين وأثار اتهامات بمحاولة الحدّ من مدفوعات التعويض. المنصّة دافعت عن الإجراء بوصفه ضرورة استثنائية، لكنه جسّد حقيقة أن بروتوكولات التأمين اللامركزي تواجه أيضاً تحديات ثقة إذا بدت قرارات الحوكمة منحازة لمصلحة رأس المال.
مع ذلك، وبعد أزمة Terra أفادت InsurAce بأنها وفّرت تغطيات لأصول بقيمة 340 مليون دولار موزّعة على 140 بروتوكولاً، مع آلاف المستخدمين، واستمرّت في تطوير نسختها “v2” بهيكل حوافز وتوكينوميكس جديد.
Risk Harbor – تبنّت فلسفة مغايرة كلياً: إلغاء عنصر الحوكمة البشرية من عملية تسوية المطالبات. انطلقت في منتصف 2021 بدعم من صناديق مثل Pantera وCoinbase Ventures، وتعمل كسوق تأمين DeFi “بارامتري” بحت.
عندما يشتري المستخدم تغطية عبر Risk Harbor، تُحدَّد شروط التعويض مسبقاً في العقد الذكي. مثال ذلك: تغطية تدفع 1 ETH إذا انخفض سعر رمز معيّن في مجمع سيولة بنسبة X% نتيجة اختراق؛ يتم ترميز منطق التحقّق في العقد، عبر ربطه بسعر صرف أو معدل استرداد معيّن. إذا تحقق الحدث، يُنفَّذ الدفع تلقائياً من مجمع السيولة، من دون أي تصويت أو تدخل بشري.
يرى مؤسسو Risk Harbor أن التقييم التقديري للمطالبات يفتح الباب للانحياز: “عندما تقرر الحوكمة مصير المطالبات، يميل الأعضاء لاعتبارها غير مستحقّة لأنهم لا يريدون دفع أموالهم”. الحل بالنسبة لهم هو نقل القواعد بالكامل إلى السلسلة؛ إما أن تتحقق المعايير ويحصل المؤمن له على التعويض، أو لا.
هذا النهج هو جوهر “التأمين البارامتري”، حيث يُحدد دفع التعويض بناءً على مؤشر موضوعي (مثل سرعة الرياح في تأمين الأعاصير تقليدياً، أو سعر أصل ما في DeFi) بدلاً من تقييم خبير. Risk Harbor بدأت بتغطيات مثل انفصال العملات المستقرة عن الربط (وقد استحوذت على بروتوكول التأمين الداخلي لـ Terra المعروف باسم Ozone بعد الانهيار)، وتغطية رموز العوائد (Yield Tokens) في حالات تعذّر استردادها بالقيمة المفترضة 1:1 نتيجة اختراق.
المنصّة تُدير سوقاً ثنائي الجانب: المشترون يدفعون الأقساط، ومزوّدو رأس المال (Underwriters) يودعون أموالهم في مجمعات المخاطر مقابل عوائد وأقساط. هؤلاء فعلياً يراهنون على “عدم وقوع” الحدث المؤمن ضده؛ فإذا لم يقع، احتفظوا بالأقساط والعوائد، وإذا وقع خسروا جزءاً من رأسمالهم لصالح التعويضات.
أهمية ابتكار Risk Harbor تكمن في السعي نحو مطالبات “فورية ولا تحتاج للثقة”، وهي ميزة جذابة للغاية للمستخدمين الذين قد يتخوّفون من خضوع تعويضاتهم لتصويت DAO. لكن تصميم مؤشرات بارامترية فعّالة ليس مهمة سهلة: إذا كانت الشروط ضيقة جداً، لن تغطي الكثير من الخسائر الفعلية (حالات سلبية كاذبة)، وإذا كانت واسعة أكثر من اللازم قد تُطلق تعويضات في مواقف لا تستدعي ذلك (حالات إيجابية كاذبة).
لتقليص مخاطر الاعتماد على أوراكل خارجي، تعتمد Risk Harbor في بعض منتجاتها على قابلية الاسترداد على السلسلة كشرط محفِّز (مثلاً: إذا لم يعد بالإمكان استرداد رمز العائد بأقل من نسبة X% من قيمته الاسمية، يُفتح باب التعويض). بهذه الطريقة يكون معيار التفعيل متاحاً مباشرة من حالة البروتوكول نفسه.
المشارك الرئيس في Pantera، جوي كروغ، أشار إلى أن Risk Harbor قد تكون أكثر كفاءة رأسمالياً من غيرها جزئياً لأن مزوّدي رأس المال يمكنهم توليد عائد على أموالهم في الوقت الذي تظل فيه مخصّصة لتغطية المطالبات، في نموذج يذكّر بكيفية استثمار Berkshire Hathaway لـ “عائم التأمين” (Insurance Float).
Unslashed Finance – مشروع آخر ظهر في 2021، قدّم باقة واسعة من منتجات التغطية: تأمين ضد اختراقات البورصات، تغطية اختراق البروتوكولات، حوادث انفصال العملات المستقرة، وحتى تغطية حالات تصفية صناديق التحوّط الكريبتية.
سمح نموذج Unslashed لمزوّدي السيولة بالمشاركة في “سلال مخاطر” مختلفة مقابل أقساط وعوائد، وجمع تمويل أولي بقيمة 2 مليون دولار، وحقّق بعض الزخم عبر تغطية بروتوكولات وبورصات معروفة. من ابتكاراته فكرة “ترميز الوثائق فوراً”؛ إذ تُحوّل وثيقة التأمين إلى رمز NFT يمكن نظرياً تداوله أو بيعه في الأسواق الثانوية.
تقييم المطالبات كان يُسند إلى لجنة من مُقيّمي مطالبات مستقلين لتقليل تحيّز حاملي الرموز، مع إمكانية التصعيد إلى تحكيم في حال وجود خلافات. دفع البروتوكول عدداً من المطالبات، من بينها تعويضات عن اختراق Cream Finance في 2021. لكن نشاطه تراجع في الفترة الأخيرة، وأشار بعض أعضاء المجتمع إلى مشكلات مثل صعوبة سحب رأس المال. التجربة تُبرز أن العديد من المشاريع الأولى لا تصمد طويلاً؛ فالتأمين بطبيعته نشاط صعب الانطلاق: تحتاج إلى قاعدة رأسمال كبيرة لتكون موثوقاً، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى حجم كافٍ من المشترين لتوليد أقساط تغطي المخاطر – معضلة “الدجاجة والبيضة” الكلاسيكية.
Sherlock – لاعب ذو نموذج مميز، فهو بالأساس منصّة تدقيق لعقود DeFi ومنظومة مكافآت اكتشاف الثغرات (Bug Bounties)، لكنه يقدّم في الوقت نفسه “تغطية” للمشروعات التي تخضع لتدقيقه.
نموذج Sherlock يستهدف الأعمال (B2B): بروتوكول DeFi يخضع لتدقيق أمني من Sherlock، ثم يعرض عليه Sherlock تغطية تصل إلى 2 مليون دولار في حال وقوع استغلال في الشيفرة التي تم تدقيقها. البروتوكول يدفع رسوماً تشبه القسط التأميني، بينما يتركّز رأس المال في مجمع تمويل يموّله مُكدِّسو السيولة الذين يحصلون على عائد، مع دور لرمز SHER في الحوكمة والحوافز.
الهدف هو مواءمة الحوافز: فريق متخصص في الأمن يراجع الشيفرة، ثم يضع أمواله جزئياً على المحك عبر تغطية مالية لما قام بتدقيقه، في نموذج يقترب من “ضمان” audit. لكن Sherlock واجه اختباراً حقيقياً مع اختراق Euler Finance في مارس 2023 (وهو بروتوكول كان قد خضع لتدقيق من Sherlock)، ما فتح نقاشاً واسعاً حول حدود مسؤولية المدققين، ومدى كفاية نماذج “التأمين على التدقيق” عند مواجهة هجمات معقّدة على بروتوكولات DeFi.أدّى الاختراق الذي تعرّض له بروتوكول Euler – وهو أحد البروتوكولات المغطاة من Sherlock – إلى التزام تعويضي ضخم. ورغم أن المخترِق أعاد معظم الأموال لاحقاً، فإن الحادثة كشفت هشاشة وضع Sherlock؛ إذ أظهرت تقارير DLNews أن خزانة البروتوكول تراجعت بشكل حاد، ما أثار تساؤلات حول ملاءته المالية. يمثّل Sherlock نموذجاً لمنتج يدمج التأمين مع أدوات خفض المخاطر (مثل خدمات التدقيق الأمني) لتقديم حزمة أوسع من الحماية.
عند مقارنة هذه الحلول اللامركزية يمكن إبراز ما يلي:
-
المنتجات المغطاة: بدأت المنصّات اللامركزية بتقديم تغطية لاختراقات البروتوكولات (فشل العقود الذكية)، ثم توسّعت لاحقاً لتشمل مخاطر مثل فقدان ربط العملات المستقرة (depeg)، تعثّر أمناء الحفظ أو البورصات، وتغطية رموز العوائد. كلٌّ من Nexus Mutual وInsurAce يقدّم اليوم مجموعة واسعة نسبياً من التغطيات تمتد من حوادث DeFi إلى حوادث CeFi. في المقابل ركّزت Risk Harbor على حالات معيارية محددة (تأمين العملات المستقرة، رموز العائد، ومخاطر الجسور). من الأفكار الأحدث أيضاً تأمين “الـslashing” للمشاركين في شبكات إثبات الحصّة؛ إذ ظهرت مبادرات مثل Chainproof لتغطية مخاطر تخفيض حصص مُخمّني الإيثريوم.
-
حدود التغطية: غالباً ما تكون أقل من التأمين التقليدي. فمثلاً، كانت Nexus Mutual توفّر حدوداً في حدود بضعة ملايين دولار لكل بروتوكول، وإن كانت قد روّجت مؤخراً – عبر نموذج الـSyndicate والشراكات مع الوسطاء – لإمكانية توفير تغطية على السلسلة تصل إلى 20 مليون دولار لكل مخاطرة في منتج جديد. لدى InsurAce أيضاً حدود لكل وثيقة، وغالباً ما تكون في نطاق ملايين قليلة كقيمة إجمالية. السبب هو ضرورة تقيّد مجمّعات السيولة اللامركزية بعدم تحمّل تعرّض مفرط. بالمقارنة، يمكن لسوق مثل Lloyd’s تجميع مئات الملايين من الدولارات لتغطية واحدة، لكن مقابل كلفة أعلى وإجراءات تعاقدية أكثر تعقيداً في الأسواق التقليدية.
-
آلية تسوية المطالبات: وهي نقطة فارقة حاسمة.
– في Nexus Mutual تُدار المطالبات عبر حوكمة الأعضاء: يُقدَّم طلب التعويض، يقيّمه فريق من مدقّقي المطالبات الذين يراهنون برموز NXM ويمكن حسم جزء من حصتهم في حال التصويت السيئ، ثم يُعرض على اقتراع الأعضاء. العملية تستغرق عادةً عدّة أيام.
– في InsurAce تُقيَّم المطالبات ثم تُطرح للتصويت من حاملي INSUR المراهنين؛ وفي حالة UST مثلاً استغرق صرف التعويضات قرابة شهر من بدء العملية.
– Risk Harbor تعتمد نموذجاً معيارياً بالكامل: لا حوكمة ولا تصويت؛ إذا تحقّق الشرط المُبرمج على السلسلة يمكن للمستخدم تحصيل التعويض فوراً، وإذا لم يتحقّق فلا تعويض. في حالة تغطية UST من Risk Harbor دُفعت المطالبات آلياً بمجرد وصول سعر TWAP إلى المستوى المحدد.
– Unslashed اعتمدت على مقيمين مستقلين مع خيار تحكيم، في نموذج شبه لامركزي.
– Sherlock تعتمد بشكل كبير على قرار الفريق، ما يجعلها أكثر تمركزاً. -
الرموز والحوافز (Tokenomics): لكل هذه البروتوكولات رموز تؤدي دوراً مزدوجاً: الحوكمة والأداة الاقتصادية.
– رمز NXM في Nexus يُستخدم للمشاركة في الحوكمة وسعرة ديناميكي مرتبط برأسمال الـMutual. لا يتم تداوله بحرية خارج المنصّة، ولا يمكن حيازته إلا لأعضاء الـMutual (رغم وجود نسخة ملفوفة لا تعكس آلية التسعير الداخلية بالكامل).
– رمز INSUR في InsurAce هو ERC‑20 عادي يُستخدم للمكافآت والتصويت، وسعره خاضع للسوق.
– Risk Harbor انطلقت عملياً من دون الاعتماد على رمز في البداية، مفضّلة التركيز على تصميم العقود. قد تُطلق رمزاً مستقبلاً لحوكمة معايير المنصّة، لكن تسوية المطالبات لا ترتبط بتصويت حاملي الرمز.
كثير من رموز التأمين المبكرة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها بعد موجات الحماس الأولى، لأن نشاط التأمين بطبيعته بطيء النمو؛ NXM وINSUR مثالان على أسواق شديدة التقلّب. جزء من نموذج الحوافز يقوم على مكافأة المموّلين (Underwriters) برموز جديدة مقابل قفل رؤوس أموالهم في المجمعات، لكن هذا التضخّم قد يضغط على الأسعار إن لم يُقابله تدفّق فعلي من أقساط التأمين. -
ثقة المستخدم والشفافية: المنصّات اللامركزية تنشر عادةً قائمة البروتوكولات المغطّاة، الطاقة الاستيعابية المتاحة، وأحياناً تاريخ المطالبات وبياناتها المالية على السلسلة، وهو مستوى شفافية نادر في التأمين التقليدي. يمكن للمستخدم معرفة حجم المجمّع في أي وقت. الثقة تُبنى عملياً من خلال سداد المطالبات المستحقّة؛ Nexus وInsurAce كوّنتا رصيداً معقولاً من الثقة بعد دفع عدد من المطالبات، مع بقاء منتقدين يشيرون إلى تضارب المصالح المحتمل في آليات التصويت. منصّات مثل Risk Harbor تحاول إزالة عنصر الثقة البشرية بجعل القرار آلياً، لكن حينها على المستخدم أن يثق في النموذج الرياضي/الأوراكل وأنه يمسك بكل السيناريوهات ذات الصلة.
يظل هناك أيضاً خطر العقود الذكية نفسها: يمكن نظرياً اختراق بروتوكول التأمين ذاته. هذا ما حدث مع Cover Protocol في أواخر 2020 – وهو DAO تأميني منفصل عن Nexus – حيث تعرّض للاختراق وانتهى فعلياً. ذكّرت هذه الحادثة السوق بأن “المؤمِّن” في DeFi يجب أن يكون محصّناً تقنياً لا يقل عن البروتوكولات التي يغطيها. حتى الآن لم تتعرض Nexus ولا InsurAce ولا Risk Harbor لاختراقات مباشرة، لكن هذا الخطر يظل في حسبان المستخدمين، وقد يكون سبباً في تفضيل البعض لجهة منظَّمة تقليدية ذات ميزانية ملزِمة قانوناً على بروتوكول DeFi يمكن نظرياً استنزافه بثغرة برمجية. -
الجوانب التنظيمية ومتطلبات العضوية: معظم بروتوكولات التأمين اللامركزي – باستثناء Nexus – لا تفرض إجراءات “اعرف عميلك” (KYC) وتفتح أبوابها عالمياً (مع تحفّظات تتعلق ببعض الولايات القضائية). اشتراط Nexus للـKYC يشكّل حاجزاً أمام جزء من جمهور DeFi المحافظ على المجهولية، لكن البروتوكول اختار إطاراً قانونياً (هيكل Mutual مسجَّل في المملكة المتحدة) يمنحه قدراً من الغطاء التنظيمي. البروتوكولات الأخرى تعمل كمنصّات DeFi اعتيادية، ما قد يفتح باب تساؤلات رقابية لاحقاً: هل تقدّم “تأميناً” بدون ترخيص؟ كثير منها يفضّل وصف المنتج بـ“Cover” أو “حماية متبادلة” وليس تأميناً خاضعاً للترخيص، لكن هذا التمييز قد يخضع لاختبار الجهات التنظيمية مع نمو الأحجام.
على أرض الواقع، ما زال كثير من مستخدمي العملات المشفّرة غير مطّلعين على خيارات التأمين اللامركزي هذه. المستخدمون الأكثر احتكاكاً بـDeFi بدأوا يدرجون شراء التغطية ضمن استراتيجياتهم، خصوصاً مزارعي العوائد الذين يغطّون مخاطرهُم أو خزائن الـDAO التي تؤمّن أصولها. من التطوّرات اللافتة تكامل هذه المنتجات مع تطبيقات أخرى: يمكن الآن شراء تغطية Nexus Mutual عبر واجهات مثل تطبيق Yearn أو مجمّعات مثل Armor، الذي أعاد تغليف تغطيات Nexus في وحدات أصغر وأسهل استخداماً. كما أُدمجت تغطية Nexus في منتجات مثل Base DeFi Pass من OpenCover، الذي يقدّم حزمة تأمينية لعدة بروتوكولات على شبكة Base في عملية شراء واحدة “اضبط وانسَ”. هذا التوجّه نحو “الت嵌يد” Embedded Insurance في تجربة المستخدم مرشّح للتزايد، لأن شراء التغطية المثالي يجب أن يكون بسيطاً وربما يتم بضغطة واحدة عند بدء استخدام البروتوكول.
مركزية مقابل لامركزية: موازنة المزايا والمخاطر
التأمين المركزي يقدّم قابلية إنفاذ قانونية واضحة: هناك عقد تأمين فعلي ويمكن – نظرياً – رفع دعوى إذا امتنع المؤمِّن عن الدفع، وإن كان ذلك نادراً ومكلفاً عملياً. التغطية اللامركزية أقرب إلى التزام جماعي داخل مجتمع على السلسلة؛ قد تكون أسرع صرفاً – خاصة في النماذج المعيارية – وقادرة على تغطية مخاطر متقدّمة لا تقترب منها الشركات التقليدية (مثل أنواع محددة جداً من استغلالات العقود الذكية). غالباً ما تُدفع تعويضات المنصّات اللامركزية بعملات مشفّرة، وهو ما يلائم الخسائر الواقعة على السلسلة، بينما ستدفع وثيقة Lloyd’s غالباً بالعملات الورقية (رغم اتجاه بعض الشركات لقبول الدفع بالمشفّرات أو تحويل الخسارة من/إلى أصول رقمية).
من ناحية الملاءة، يشعر كثير من العملاء بطمأنينة أكبر تجاه شركات التأمين الكبرى أو الـSyndicates في Lloyd’s، بحكم خضوعها للرقابة، ومتطلبات رأس المال، وترتيبات إعادة التأمين. في المقابل، يمكن أن يتعرّض مجمّع تأمين DeFi للاستنزاف في سيناريو صدمات متزامنة أو اختراقات متسلسلة. نموذج Nexus القائم على الـStaking والتعويضات الجزئية يحاول تخفيف أثر تعدّد المطالبات، لكن أي حدث نظامي واسع يمكن أن يختبر حدود أي مؤمِّن، تقليدياً كان أم لامركزياً.
نموذج هجين محتمل: إعادة التأمين التقليدية لـDeFi
أحد الاتجاهات الواعدة – وإن لم يترسّخ بعد – هو الاستعانة بشركات إعادة التأمين التقليدية كخط دفاع ثانٍ لمجمّعات DeFi. يمكن مثلاً أن تتفق Mutual لامركزية مع معيد تأمين تقليدي على تغطية الخسائر التي تتجاوز حداً معيناً، ما يوفّر “طبقة كارثية” فوق قدرة المجمّع. مثل هذا النموذج سيجمع بين كفاءة التوزيع على السلسلة وعمق جيوب صناعة إعادة التأمين في مواجهة السيناريوهات القصوى.
الخلاصة حول المزوّدين
سوق تأمين الأصول الرقمية بات متنوّعاً: قاعات Lloyd’s في لندن باتت تتحدّث عن مخاطر العملات المشفّرة، في الوقت الذي تصوّت فيه الـDAO اللامركزية على المطالبات باستخدام الرموز. كل فئة من المزوّدين تحمل نقاط قوة مختلفة: Lloyd’s بخبرتها الممتدّة في تأمين المخاطر “غير القابلة للتأمين” تاريخياً، وNexus Mutual بسعة اطّلاعها “الكريبتو-محلية” وقدرتها على تقييم مخاطر العقود الذكية بمرونة تفوق النماذج الاكتوارية التقليدية.
على المستخدم أن يقيّم بشكل نقدي مصداقية وقدرة أي مزوّد: مراجعة سجل المدفوعات السابقة – فالثقة غالباً ما ترتبط بتاريخ احترام المطالبات – والتأكد من أن حدود التغطية متناسبة مع حجم التعرض الفعلي. كما يمكن تطبيق مبدأ التنويع هنا أيضاً: فمالك محافظ كبيرة قد يجمع بين وثيقة مضمونة من Syndicate في Lloyd’s لتأمين التخزين البارد، وتغطية من Nexus لمراكزه في DeFi، في طبقات حماية مختلفة للمخاطر المتعددة.
بعد استعراض خريطة المزوّدين وآلياتهم، يصبح من الضروري النظر في البيئة التنظيمية التي تتحرّك ضمنها هذه الصناعة. فالتأمين لا يعمل في فراغ؛ الأطر القانونية والرقابية تحدّد إلى حد بعيد ما هو متاح من تغطيات، وفي بعض الحالات تفرض على شركات الكريبتو نفسها متطلبات تأمينية.
التعامل مع الأطر التنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا
مع نمو سوق تأمين الأصول الرقمية، يتطوّر في ظل منظومة تنظيمية متباينة بين الولايات القضائية. قوانين تنظيم صناعة التأمين نفسها، إلى جانب الأطر الأوسع لتنظيم الأصول المشفّرة، تؤثّر مباشرة في تصميم المنتجات المتاحة وطريقة تسويقها والإفصاحات المطلوبة للمخاطر.
في ما يلي لمحة عن كيفية تعاطي أبرز المراكز – الولايات المتحدة، أوروبا (الاتحاد الأوروبي/المملكة المتحدة)، وآسيا – مع ملف تأمين الكريبتو ومتطلبات إدارة هذه المخاطر.
الولايات المتحدة
في الولايات المتحدة لا يوجد حتى الآن إطار فيدرالي خاص بتأمين الأصول المشفّرة، لكن سلسلة من التطوّرات تشير إلى اهتمام متزايد من الجهات الرسمية بالجوانب المرتبطة بالحماية وإدارة المخاطر. أوضحت الهيئات الرقابية الأمريكية مراراً أن الأصول المشفّرة لا تتمتع بضمانات تلقائية مماثلة للودائع المصرفية أو حسابات الأوراق المالية. على سبيل المثال، أكدت مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية FDIC مراراً أنها لا تؤمّن الأصول المشفّرة، وألزمت بعض شركات الكريبتو بالتوقّف عن الإيحاء بوجود تغطية من FDIC لحيازات العملات المشفّرة. بدلاً من ذلك، أي...التأمين يتم عبر وثائق خاصة تصدرها شركات تجارية، وليس عبر نظم ضمان حكومية.
على مستوى تنظيم التأمين في الولايات المتحدة، يتخذ "المكتب الوطني لمفوّضي التأمين" (NAIC) – الذي ينسّق عمل الجهات الرقابية على التأمين في الولايات – موقفاً حذراً. فهو يحظر عملياً على شركات التأمين الخاضعة لتنظيمه الاحتفاظ بأصول مشفّرة في ميزانياتها بما يتجاوز هوامش ضئيلة جداً، بدعوى شدة تقلبها. هذا القيد يحدّ من عدد الشركات القادرة على الانخراط مباشرة في تغطية مخاطر الأصول المشفّرة. لذلك يتم معظم التأمين على أنشطة الكريبتو في الولايات المتحدة عبر سوق "الفائض والخسارة" (Excess & Surplus Lines)، حيث تعمل شركات متخصصة – كثير منها مقرّه في برمودا أو لندن – على إصدار وثائق لمخاطر غير تقليدية ضمن إطار رقابي أكثر مرونة.
بعض الولايات، مثل نيويورك، التي تنظّم شركات الكريبتو بموجب نظام "BitLicense"، شجّعت التأمين بصورة غير مباشرة. فتعليمات هيئة الخدمات المالية في نيويورك (NYDFS) لحاملي الـBitLicense توصي بالاحتفاظ بوثائق خيانة أمانة أو تغطية تأمينية تحمي أصول العملاء من الفقدان؛ وفعلياً يحمل كثير من المرخَّص لهم مثل "كوين بيس" وثائق كهذه، وقد أشارت NYDFS إلى ترتيباتهم التأمينية عند منحهم التراخيص. على مستوى القواعد الفدرالية، بدأت متطلبات التأمين تظهر في التفاصيل الدقيقة: لجنة الأوراق المالية والبورصات (SEC) تطلب في قواعد حوكمة حفظ الأصول المشفّرة لدى الوسطاء والمستشارين الماليين الإفصاح عمّا إذا كان أمين الحفظ يمتلك تغطية تأمينية لخسائر الأصول المشفّرة. وعند موافقة الـSEC على أول صناديق متداولة للبيتكوين الآجلة (Bitcoin Futures ETFs)، ألزمتها بأن تذكر صراحة في نشرات الاكتتاب أن الأصول المشفّرة غير مشمولة بحماية مؤسسة حماية مستثمري الأوراق المالية (SIPC) كما هو الحال مع الأسهم، وأن توضح في المقابل أي تغطية تأمينية خاصة يمتلكها أمين الحفظ أو الصندوق. هذا التركيز على شفافية الإفصاح عن المخاطر يهدف إلى تمكين المستثمر من معرفة ما إذا كانت هناك "شبكة أمان" حقيقية أم لا.
في زاوية أخرى، باتت الهيئات الرقابية المالية الأميركية تنظر إلى غياب التأمين كعامل محتمل لمخاطر نظامية، خصوصاً مع توسّع سوق العملات المستقرّة. تقرير "فريق عمل الرئيس للأسواق المالية" الصادر في 2021 بشأن الـStablecoins أوصى بأن يتمتع مصدِّرو هذه العملات بحماية شبيهة بتأمين الودائع لتجنّب "حالات الهلع" والسحب الجماعي – في تلميح إلى ضرورة وجود تأمين أو ضمانات صريحة على الاحتياطيات. لم يصدر إطار مُلزِم بعد، لكن مشاريع قوانين عديدة مطروحة، من بينها مشروع قانون يُشار إليه في 2025 باسم "Genius Act" يستهدف وضع قواعد للعملات المستقرة وبعض أنشطة الكريبتو، وقد يتضمّن – إذا أُقر – اشتراطات لتأمين الاحتياطيات أو على الأقل متطلبات إفصاح تفصيلية.
على مستوى الولايات، تختلف الأنظمة. بعض الولايات تفرض على شركات تحويل الأموال التي تتعامل بالكريبتو تقديم كفالات مالية أو امتلاك تأمين. قانون "الأصول الرقمية" في رود آيلاند مثلاً يلزم المرخَّص لهم بالاحتفاظ بكفالة (Surety Bond) أو حساب ائتماني لصالح العملاء، ما يشبه صندوق ضمان؛ ويمكن استخدام وثائق التأمين للوفاء بهذا الشرط. وفي وايومنغ، التي منحت تراخيص خاصة لما يُعرف بالمصارف المتخصصة في الأصول المشفّرة (SPDI)، يُطلَب من هذه الكيانات امتلاك تغطيات تأمينية معينة للمخاطر التشغيلية ضمن إطار متطلبات "السلامة والمتانة" المصرفية.
خلاصة المشهد الأميركي: هناك إدراك متزايد بأن "القضايا غير المحسومة المتعلقة بالتعرّض للمخاطر" – وفي مقدّمها غياب التأمين – تعرقل التبنّي المؤسسي الواسع للكريبتو. الجهات الرقابية تدفع الشركات دفعاً ناعماً نحو شراء تغطيات، أو على الأقل الإفصاح بوضوح عمّا إذا كانت موجودة. ومع اقتراب صدور تشريعات نوعية خاصة بالكريبتو (ربما في 2024–2025)، قد نشهد اشتراطات صريحة لفئات معيّنة بحمل تأمين أو بدائل وظيفية له (مثل إلزام مُصدِّر عملة مستقرة بتوثيق وجود تأمين على احتياطياته، أو إلزام منصّة تداول بتأمين نسبة من أصول "المحافظ الساخنة"). وعندما يَتّضح الوضع القانوني لفئات مختلفة من التوكنز – سواء كأوراق مالية أو سلع خاضعة لقواعد محددة – يصبح تسعير المخاطر أسهل لدى شركات التأمين، فتزيد قدرتها على الاكتتاب. التراجع النسبي في الحملة الرقابية العنيفة من جانب SEC وCFTC في أواخر 2024 – مع ترقّب صدور قوانين جديدة – اعتُبر بمثابة "رياح مواتية" لصناعة الكريبتو، وانعكس كذلك على شهية سوق التأمين للدخول بقوة أكبر. وجود "قواعد طريق" واضحة تاريخياً ما يجعل المجمّعات التأمينية أكثر استعداداً لتوفير التغطية.
الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة
أوروبا خطت خطوة كبيرة مع صدور لائحة "الأسواق في الأصول المشفّرة" (MiCA) في 2023، وهي أول إطار تشريعي شامل للكريبتو عالمياً. تغطّي MiCA مُصدِّري الأصول المشفّرة، ومقدّمي خدمات الأصول المشفّرة (CASPs) مثل البورصات ومحافظ الحفظ، إضافة إلى العملات المستقرة. لا تفرض اللائحة تأميناً إلزامياً شاملاً، لكنها تضع متطلبات احترازية صارمة وقواعد إفصاح واسعة عن المخاطر. فمزوّدو الخدمات مثلاً ملزمون بوضع ترتيبات لحماية أصول العملاء، وقد يُطلَب منهم – بحسب سلطة كل دولة عضو – ترتيب تغطية تأمينية أو آليات تعويض مكافئة كشرط للترخيص، خصوصاً لمن يقدمون خدمات الحفظ.
بعض الدول الأعضاء كانت سبّاقة في هذا الاتجاه؛ ألمانيا، عبر "باـفِن" (BaFin)، عندما تمنح ترخيصاً لنشاط حفظ الأصول المشفّرة، تتوقّع توافر حد أدنى من رأس المال، وغالباً ما تعتبر امتلاك تغطية تأمينية أو كفالات مالية جزءاً من أفضل الممارسات، حتى إن لم يكن إلزامياً بحكم النص. فرنسا، من خلال هيئة الأسواق المالية (AMF)، سمحت لنظام ترخيص اختياري لشركات الكريبتو تَضمّن توصيات باعتماد تأمين ضد المسؤولية المهنية في بعض الحالات.
من الجوانب الصريحة في MiCA: مُصدِّرو "التوكنز المرتبطة بأصول" – بما في ذلك كثير من نماذج العملات المستقرّة – ملزمون بإصدار "ورقة بيضاء" (Whitepaper) تتضمن محاور عن المخاطر والتنبيهات، وتوضح بجلاء أن الأصول المعنية غير مشمولة بضمانات الودائع في الاتحاد الأوروبي. مرّة أخرى، الهدف هو ألا يلتبس على المستثمرين أن هذه المنتجات تتمتع بحماية مماثلة للودائع المصرفية ما لم يقدّم المُصدِّر طواعية ترتيبات تأمين أو ضمان خاصة. في عالم التمويل التقليدي الأوروبي، بعض خدمات الاستثمار مشمولة بأنظمة تعويض المستثمرين، لكن الأصول المشفّرة لن تدخل ضمن تلك المظلّة في الوقت الحالي، ما يعني أن أي تغطية ستكون تجارية وخاصّة، وMiCA تدفع الشركات إلى الإعلان بوضوح عن غياب "شبكات الأمان" الرسمية، الأمر الذي قد يدفعها – تجارياً – إلى التعاقد على تأمين خاص لطمأنة العملاء.
المملكة المتحدة، بعد خروجها من الاتحاد، ترسم مساراً تنظيمياً موازياً. "قانون الخدمات والأسواق المالية 2023" (Financial Services and Markets Act 2023) أدخل بعض أنشطة الأصول المشفّرة ضمن نطاق التنظيم، بما في ذلك تسهيل تنظيم مدفوعات الـStablecoins. هيئة السلوك المالي (FCA) تعمل على استشارات بخصوص قواعد الترويج والتشغيل لشركات الكريبتو. حتى الآن لا توجد إلزامية عامة بالتأمين، لكن التركيز واضح على حماية المستهلك. فالـFCA، مثلاً، تطلب تضمين إعلانات الكريبتو تنبيهات واضحة من نوع "لن تكون مشمولاً بحماية مخطط تعويض الخدمات المالية (FSCS) أو مكتب أمين المظالم المالي". مخطط الـFSCS يمثّل النسخة البريطانية من أنظمة ضمان الودائع والتعويض في الخدمات المالية، لكنه لا يغطي خسائر الأصول المشفّرة.
هناك نقاش في لندن حول تبنّي إطار قريب من MiCA، وحينها سيبرز موضوع التأمين كأداة حماية محتملة: قد يُطلَب من البورصات الكبرى، على سبيل المثال، إثبات امتلاك قدر معيّن من رأس المال أو التأمين لتعويض خسائر تقنية أو اختراقات. وجود سوق تأمين عالمي في لندن يعني أن الجهات الرقابية البريطانية مُطّلعة عن كثب على حركة التأمين على الكريبتو. "لويدز أوف لندن" يعمل مباشرة مع بنك إنجلترا ومنظّمين آخرين في هذا الملف، وأحد مكتتبي لويدز، جيمس كروم (Arch)، أشار إلى أن زيادة تبنّي السوق للأصول المشفّرة وتنامي المتطلبات التنظيمية يدفعان الطلب على التغطية التأمينية صعوداً في لندن. كما لفت إلى أن الأطر التي تنظّم معاملات وحفظ الأصول الرقمية باتت أكثر نضجاً واتّساعاً، ما يسهم في تصميم منتجات تأمين أوضح. بعبارة أخرى، كلّما تجذّرت القواعد – من نسب إلزامية للحفظ البارد إلى اشتراطات تدقيق دوري – بات لدى شركات التأمين معايير محدّدة يمكن التسعير على أساسها.
آسيا: نماذج متباينة
تتبنّى آسيا مروحة واسعة من المواقف تجاه الكريبتو، لكن يمكن رصد اتجاهات مهمّة في هونغ كونغ، سنغافورة، الإمارات (رغم تصنيفها جغرافياً في غرب آسيا/الشرق الأوسط)، واليابان.
- هونغ كونغ أعادت التموضع مؤخراً كمركز صديق للأصول المشفّرة، بعد فترة تشدّد. لجنة الأوراق المالية والعقود الآجلة (SFC) أطلقت نظام ترخيص جديد لمنصّات تداول الأصول الافتراضية دخل حيّز التنفيذ في يونيو 2023. في قلب هذا النظام يأتي التأمين: يُطلَب من منصّات التداول المرخَّصة الاحتفاظ بتغطية تأمينية لجزء من أصول العملاء. تاريخياً، اشترطت الـSFC أن تؤمِّن البورصات الخاضعة لها على محافظها الساخنة والباردة على حد سواء، في صيغة أقرب إلى تأمين الجرائم الإلكترونية على حوادث سرقة المحافظ الساخنة. كما فرضت قاعدة صارمة تقضي بحفظ 98% على الأقل من أصول العملاء في محافظ باردة، مع توجّه أولي لتغطية تأمينية بنسبة 50% من قيمة تلك الأصول الباردة، وتغطية كاملة تقريباً للمحافظ الساخنة (نظراً لصغر حجمها المفترض). هذا النهج التشدّدي اصطدم بواقع السوق، حيث واجهت الشركات صعوبة بالغة في الحصول على تغطية للمكوّن "الساخن". نتيجةً لذلك، أبدت الجهات الرقابية في هونغ كونغ استعداداً لتخفيف الشروط: الـSFC أشارت إلى نيتها مراجعة قاعدة 98% للحفظ البارد و"مواءمة معايير التأمين مع المعايير العالمية"، ما يرجّح انتقالها إلى مقاربة أكثر استناداً إلى المخاطر، كأن تطلب من البورصة إثبات وجود "حماية كافية" بمزيج من التأمين ورأس المال بدلاً من نسب تأمين ثابتة من إجمالي الأصول.
مع ذلك، يظل موقف هونغ كونغ واضحاً في اعتبار التأمين ركيزة أساسية لحماية المستثمر، وهي من قلّة من السلطات التي تجعل بعض أشكال التأمين على الكريبتو شرطاً قانونياً. إضافة إلى ذلك، يُتوقَّع تنامي الطلب على تأمين مسؤولي ومديري الشركات (D&O) مع زيادة إدراج شركات كريبتو في البورصات التقليدية أو اندماجها في النظام المالي السائد، ما يدفع التنفيذيين للبحث عن تغطيات تحميهم من دعاوى المساهمين أو العقوبات التنظيمية، وهو ما ترحّب به السلطات كتدعيم إضافي للحوكمة.
- سنغافورة تُعدّ مركزاً رئيسياً آخر للكريبتو، لكن بمنهج مختلف. سلطة النقد في سنغافورة (MAS) شدّدت قواعدها في 2023، ففرضت على مقدّمي خدمات "رموز الدفع الرقمية" (Digital Payment Token Service Providers) فصل أموال العملاء عن أصول الشركة، والاحتفاظ بما لا يقل عن 90% من أصول العملاء في محافظ باردة. مع ذلك، توقّفت MAS حتى الآن عن فرض تأمين إلزامي على هذه الأصول، مفضّلةً الاعتماد على هيكلة الحفظ والفصل بين الأصول كخط دفاع أوّل، مع ترك قرار شراء التأمين لاعتبارات السوق والسمعة.ترك تلك الأصول بلا تغطية تأمينية. بدلاً من ذلك، يسعى المنظّم إلى خفض احتمال الخسارة من خلال إلزام مزوّدي الخدمة بإبقاء معظم الأصول في وضع “غير متصل” (Cold Storage)، وبالتالي – ضمنياً – بعيداً عن أنشطة توليد العائد عالية المخاطر. وقد طرح مصرف سنغافورة المركزي (MAS) بالفعل، خلال مشاورات سابقة، فكرة فرض تأمين إلزامي أو إنشاء حسابات ائتمانية (Trust Accounts) تشكّل هامش أمان لأصول العملاء، لكنه استقر في النهاية على خيار فصل أصول العملاء عن أصول الشركة، مقروناً بمتطلّب “صيانة أصول” يفرض على الشركات الاحتفاظ بهامش معيّن من الأصول السائلة.
مع ذلك، تنصّ القواعد بوضوح على ضرورة أن توضّح الشركات للعملاء غياب أي تغطية تأمينية، وأن تشرح صراحةً أن فصل الأصول وحفظها في حسابات مستقلة لا يضمن حمايتها بالكامل في حال إفلاس المزوّد. هذه اللغة الصارمة دفعت عدداً من شركات الكريبتو في سنغافورة إلى التوجّه طوعاً للحصول على تأمين يغطي نسبة الـ 10% المحتفظ بها في المحافظ “الحارّة” (Hot Wallets)، لتعزيز ثقة العملاء. عملياً، أعلنت عدة بورصات مقرّها سنغافورة عن برامج تأمين، من أبرزها Crypto.com التي روّجت لوثيقة تأمين بقيمة 750 مليون دولار لأصول الحفظ البارد – يُرجَّح أنها تغطي عملياتها عالمياً وليس سنغافورة فقط.
خلاصة موقف MAS: تشديد على التنظيم الوقائي (تركيز على الحفظ البارد، والضوابط الداخلية القوية)، وترك التأمين طبقةً تكميلية اختيارية. وإثر انهيارات مثل FTX، أصبح المصرف المركزي من أكثر الأصوات حدّة في التحذير من مخاطر الكريبتو على المستهلكين، إذ يفرض على الإعلانات الخاصة بمنتجات الكريبتو تضمين إفصاحات من نمط: “قد تخسر كامل استثمارك”. هذه الشفافية تدفع اللاعبين الجادين إلى إبراز نقطة تفوّق تنافسية من قبيل: “لدينا تغطية تأمينية حتى مبلغ كذا، ما يخفف جزءاً من هذه المخاطر”.
الإمارات العربية المتحدة (دبي)
الإمارات – ولا سيما سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA) – تُعد من أكثر الولايات القضائية تقدّماً في إدماج التأمين ضمن الإطار التنظيمي للكريبتو. لوائح VARA الخاصة بمزوّدي خدمات الأصول الافتراضية (VASPs) تشترط صراحةً على البورصات وأمناء الحفظ المرخَّص لهم توفير وثائق تأمين معيّنة.
تُلزم VARA الشركات بتأمين يغطي خدمات الحفظ (Custody) ضد الاختراقات، والسرقة، والاحتيال الداخلي، وغيرها، بالإضافة إلى تغطيات أخرى كالتأمين ضد المسؤولية المهنية (Professional Indemnity) وتأمين مسؤولي الإدارة العليا (D&O) عند الاقتضاء. عملياً، أي شركة كريبتو تطلب ترخيصاً في دبي يجب أن تقدّم برنامج تأمين متكامل يحظى بموافقة VARA.
الأهم أن مصرف الإمارات المركزي نفسه أبدى تأييداً مبدئياً لفكرة التأمين ضد مخاطر حفظ الأصول الرقمية. النتيجة كانت سباقاً في السوق المحلية لتقديم حلول “تأمين مفصّلة حسب الطلب”، حيث تحدّث مسؤولون إماراتيون عن “طلب ملحّ” على وثائق تأمين مخصّصة للكريبتو مع تقدّم مئات الشركات الناشئة بطلبات ترخيص.
من خلال ترسيخ التأمين في صلب القواعد التنظيمية، تتموضع الإمارات كولاية قضائية تسعى إلى تغطية مختلف جوانب إدارة المخاطر، في محاولة واضحة لجذب المستثمرين المؤسسيين برسالة مفادها: “نحن نُلزم المرخَّص لهم بالتأمين، ما يجعل أموالكم أكثر أماناً هنا”. وعلى الأرجح ستعمل VARA مع الوقت على صقل التفاصيل (مثل الحد الأدنى لمبالغ التغطية أو قائمة شركات التأمين المقبولة)، لكن اتجاه السياسة واضح: التأمين ركيزة أساسية في المقاربة التنظيمية.
اليابان
اليابان من أوائل الدول التي نظّمت عمل بورصات الكريبتو، بعد صدمة انهيار Mt. Gox. في 2017 أقرّت نظاماً لترخيص البورصات، فرض معايير أمنية صارمة والتزاماً بتعويض العملاء عن أي خسائر في الأصول المشفّرة نتيجة سرقة، ما وضع البورصات أمام خيارين: إمّا “التأمين الذاتي” عبر احتياطيات رأسمالية، أو شراء تغطية تأمينية.
بعض البورصات اليابانية فعلاً حصلت على وثائق تأمين؛ على سبيل المثال، أطلقت شركة Mitsui Sumitomo Insurance في 2019 منتج تأمين خاصاً ببورصات الكريبتو في اليابان، مع تغطية تصل – بحسب التقارير – إلى 10 ملايين دولار. وبعد اختراق Coincheck في 2018 (سرقة عملات NEM بقيمة 530 مليون دولار تقريباً)، شدّد المنظّمون اليابانيون المتطلبات الأمنية. وقد كشفت الجهة المستحوذة على Coincheck أن لديها تأميناً غطّى جزءاً من الخسائر، بينما قامت الشركة نفسها بتعويض المستخدمين بالكامل من مواردها الداخلية.
بالتالي، الوضع في اليابان: لا يوجد قانون صريح يفرض التأمين، لكن هناك توقّعات تنظيمية حادة تلزم البورصات بجبر ضرر العملاء، ما يعني عملياً ضرورة توافر رأسمال كافٍ أو وثائق تأمين مناسبة لتحقيق ذلك. إلى جانب ذلك، تُلزم القواعد اليابانية البورصات بالاحتفاظ بنسبة معيّنة من الاحتياطيات مقابل أصول العملاء، وغالباً ما يكون ذلك في صورة احتياطيات نقدية بالعملة الورقية لتغطية أي خسائر في الكريبتو، وهو ما يمكن اعتباره مقاربة “شبه تأمينية”.
لمحة عن ولايات آسيوية وأخرى متقدّمة
في كوريا الجنوبية، دُرس مشروع قانون في 2021 يفرض على البورصات حيازة حد أدنى من التأمين (نحو 3 مليارات وون، أي حوالى 2.5 مليون دولار)، وهو مبلغ متواضع قياساً بحجم الاختراقات الكبرى. من غير الواضح إلى أي مدى تم إقرار هذا الإلزام فعلياً، لكن بورصات كبرى مثل Upbit وBithumb تحتفظ ببعض وثائق التأمين، غالباً بمبالغ محدودة (نحو 5 ملايين دولار)، ما يجعلها أقرب إلى إجراء رمزي مقارنة بحجم الأصول المدارة.
في أستراليا، ومع التحوّل الجاري نحو تنظيم رسمي لسوق الكريبتو كما أشار تقرير WTW، يتّجه الإطار المقترح إلى معاملة البورصات وأمناء الحفظ كجهات خاضعة لقوانين الخدمات المالية، ما يعني إخضاعهم لمتطلّبات التأمين ضد المسؤولية المهنية (PI Insurance) أسوةً بالوسطاء والمستشارين الماليين. وبما أنّ التأمين المهني في أستراليا إلزامي لعدد من مزوّدي الخدمات المالية، فمن المرجّح أن يصبح التأمين – سواء بشكل مباشر أو غير مباشر – مكوّناً شبه إلزامي مع انتقال سوق الكريبتو من وضع “النهج المتساهل” إلى نظام التراخيص الكاملة.
دور الإفصاحات عن المخاطر في دفع الطلب على التأمين
جهات التنظيم عالمياً تُصرّ اليوم على أن توضح شركات الكريبتو للمستثمرين الفجوة بينها وبين المنظومة المصرفية التقليدية. الاتحاد الأوروبي، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، سنغافورة، هونغ كونغ وغيرها باتت تُلزم – أو ستُلزم قريباً – إعلانات الكريبتو ومواد “اعرف عميلك” وفتح الحسابات بأن تتضمّن صياغات صريحة من قبيل: “هذه الاستثمارات غير مغطاة بالتأمين على الودائع المصرفية أو أي ضمانات حكومية.”
قد يبدو ذلك سلبياً للوهلة الأولى، لكنه عملياً يدفع اللاعبين المحترفين لاستثمار هذه الفجوة لصالحهم، فيقولون للمستثمر: “غير أن لدينا تغطية تأمينية خاصة تحميك من مخاطر كذا وكذا”. فيتحوّل التأمين إلى عنصر فارق في التنافس، ويرتفع وعي المستهلك لطرح أسئلة مهنية مثل: “هل بورصتي مؤمَّنة؟ ما حدود التغطية؟ وما أنواع المخاطر المشمولة؟”. على المدى المتوسط، هذا التركيز التنظيمي على الإفصاحات يشجّع على مزيد من الشفافية، ومن المحتمل أن يرفع معدلات الاعتماد على التأمين في القطاع.
ملامح الصورة الكلّية
الإطارات التنظيمية حول العالم تبني تدريجياً “سقالات” لإدارة مخاطر الكريبتو. في بعض الولايات (مثل هونغ كونغ والإمارات)، أصبح التأمين جزءاً أصيلاً من متطلبات الترخيص. في أخرى (كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، التركيز حالياً على الإفصاح والحوكمة وإجراءات الحماية، مع احتمال أن يتحوّل بعض هذه المتطلّبات مستقبلاً إلى إلزامات تأمينية مباشرة مع نضوج القوانين.
هذا الزخم يصب في مصلحة سوق تأمينات الكريبتو: متطلبات الامتثال تدفع نحو الطلب على التأمين. فعندما يلزم المنظّم البورصات بفصل أصول العملاء، وتقديم خطط للتعامل مع الخسائر المحتملة، يصبح التأمين أداة طبيعية ضمن تلك الخطط. التحدّي يكمن في التوفيق بين طموحات الجهات التنظيمية والقدرة الفعلية لسوق التأمين على توفير تغطيات كافية. تجربة هونغ كونغ أوضحت أنه عندما يُفرَض تأمين غير متوافر بالسعة المطلوبة – مثل تغطية كاملة للمحافظ الحارّة – قد يضطر المنظّم إلى التراجع أو التخفيف حتى لا يختنق نمو الصناعة.
مع مرور الوقت، قد تتبلور معايير عالمية موحّدة، وربما تنشأ آليات مشتركة كصناديق ضمان أو برامج تأمين متبادلة (Mutual Insurance Pools) بدعم من جمعيات الصناعة أو حتى الحكومات – على غرار ما طُرح في بعض الولايات من إنشاء “صندوق تأمين تعثّر البورصات” يُموَّل جماعياً عبر مساهمات من البورصات نفسها، شبيه بأنظمة تعويض المستثمرين المموَّلة من رسوم على القطاع المالي التقليدي. إلى أن يتحقق ذلك، يبقى العبء على كل شركة بأن تؤمّن تغطية خاصة من السوق، وعلى كل منظّم أن يقرّر إلى أي حدّ يفرض هذا التأمين أو يكتفي بتشجيعه.
إجمالاً، يتّضح أن سوق تأمين الكريبتو لا يعمل في فراغ؛ فمتطلبات الامتثال، وقواعد الإفصاح، وضغوط حماية المستهلك، جميعها تشكّل قوة دافعة تعيد تشكيل هذا القطاع.
التحدّيات في سوق تأمين الكريبتو
رغم التقدّم الملحوظ، لا يزال تأمين الكريبتو يواجه عقبات جوهرية تميّزه عن التأمين التقليدي. بعضها نابع من طبيعة الأصول الرقمية نفسها، وبعضها نتيجة حداثة هذا الفرع التأميني وقلة خبرته التاريخية. من أبرز هذه التحدّيات: ضعف كفاءة استخدام رأس المال، مخاطر التلاعب بالأوراكل (Oracles)، إشكاليات الحوكمة، وحدود قدرات إعادة التأمين.
أولاً: عدم كفاءة استخدام رأس المال
الفكرة الأساسية في التأمين هي تجميع رأس المال لتغطية الخسائر المحتملة، على أساس أن الخسائر لن تقع لدى جميع العملاء في آن واحد. لهذا السبب لا تحتفظ شركات التأمين التقليدية بدولار واحد مقابل كل دولار من الأخطار المؤمن عليها؛ فذلك يمثّل “تغطية كاملة 100%”، وهي غير ضرورية وغير اقتصادية. بدلاً من ذلك، تعتمد على قانون الأعداد الكبيرة وتنويع المحافظ وسعات إعادة التأمين، ما يتيح نسب رأس مال أدنى بكثير مع الحفاظ على الملاءة.
في تأمين الكريبتو – خصوصاً عبر البروتوكولات اللامركزية – ظل رأس المال لفترة طويلة غير مستغل بكفاءة. العديد من “الجمعيات التأمينية” اللامركزية الأولى عملت فعلياً بنمط التمويل الكامل تقريباً. على سبيل المثال، لكي يقدّم Nexus Mutual تغطية بقيمة 10 ملايين دولار، كان يحتاج – عملياً – إلى ما يوازي هذا المبلغ أو أكثر ضمن مجمّع رأس المال، نظراً لغياب بيانات تاريخية عميقة حول تواتر وحدّة الخسائر، ما فرض نهجاً شديد التحوّط. النتيجة: أقساط مرتفعة قياساً بحجم التغطية المتاحة، ونمو مقيّد بمدى القدرة على جذب رأس مال جديد.
تفاقِم تقلبات أسعار الأصول المشفّرة بدورها مشكلة كفاءة رأس المال. فإذا كان مجمّع رأس المال مقوَّماً بعملة مثل ETH وهبطت قيمتها السوقية 50%، يصبح المجمّع فجأة “ناقص التمويل” مقارنة بالتزامات الوثائق. يحاول نموذج منحنى السندات (Bonding Curve) لدى Nexus امتصاص هذه الصدمات جزئياً عبر خفض سعر الرمز المميِّز عند تراجع رأس المال، ما يبطّئ وتيرة إصدار تغطيات جديدة إلى أن تعود الملاءة، لكن يظلّ الأمر تمريناً مستمراً على إدارة توازن دقيق.
ظهرت في المقابل نماذج جديدة تحاول تحسين هذه الكفاءة. نموذج Risk Harbor، مثلاً، يسعى لاستغلال رأس المال بشكل أفضل عبر تمكين المكتتبين (Underwriters) من تحقيق عائد على الأصول المرهونة لدعم التغطية، من خلال توظيفها في استراتيجيات عائد (Yield Strategies) عندما لا تكون مطلوبة لدفع المطالبات – مثل إيداعها في بروتوكولات إقراض كـ Aave، ما يضيف طبقة ربح إضافية.
مقاربة أخرى هي اعتماد صيغ “تأمين معايير” (Parametric) تدفع تعويضاً جزئياً وفقاً لمؤشرات محددة مسبقاً، بدلاً من تغطية 100% من الخسارة. على سبيل المثال، وثيقة تغطي 90% من الخسارة فقط، ما يخفض الالتزامات القصوى على المجمّع ويجعل تقدير الاحتياطيات المطلوبة أكثر قابلية للتنبؤ.
رغم هذه الابتكارات، يبقى التحدّي الهيكلي الأكبر هو فجوة الحجم بين مخاطر الكريبتو ورأس المال التأميني المتاح. التقديرات الحالية تشير إلى أن نحو 1–2% فقط من إجمالي الأصول المشفّرة مؤمَّن فعلياً. أحد الأسباب أن شركات التأمين – التقليدية واللامركزية – لا تزال متحفّظة في تخصيص قدر كبير من رأس مالها لمخاطر تعتبرها عالية التعقيد وضعيفة البيانات التاريخية، ما يحدّ من قدرة السوق على توفير سعات تأمينية تناسب الحجم الحقيقي لقطاع الأصول الرقمية.دخول رؤوس أموال ضخمة إلى هذا القطاع ما زال صعبًا في ظل محدودية البيانات المتاحة. كما لخص أحد التقارير المتخصصة: «في غياب سجل تاريخي للمطالبات أو معايير راسخة للممارسات المثلى، تأتي الوثائق اليوم مصممة حسب الطلب… والتغطية شديدة التعقيد»، ما يدفع شركات التأمين إلى اشتراط قدر كبير من رأس المال وفرض أقساط مرتفعة تحوّطًا للمخاطر. مع مرور الوقت وتراكم خبرة الخسائر، تتحسّن نماذج التسعير ويُستخدم رأس المال بكفاءة أعلى، كما حدث في التأمين على مخاطر الهجمات السيبرانية الذي بدأ بأسعار باهظة قبل أن يطوّر القطاع أدوات تسعير أفضل.
زاوية أخرى تتعلق بمصدر رأس المال: صناديق التأمين اللامركزية في الكريبتو تعتمد بدرجة كبيرة على أعضاء مجتمع الكريبتو الذين يضعون أصولهم كضمان (Staking)، وهؤلاء غالبًا يتوقعون عوائد مرتفعة جدًا، لأن أمامهم بدائل مثل أنشطة الـYield Farming. في المقابل، شركات التأمين التقليدية تستطيع الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية الضخمة، حيث يقبل المستثمرون بعوائد أحادية الرقم مقابل ملف مخاطر أقل. ردم الفجوة بين هذين العالمين ليس سهلًا.
اتجاه واعد هنا هو تطوير أدوات شبيهة بأوراق التأمين المرتبطة بالمخاطر (Insurance-Linked Securities – ILS) مخصصة لكريبتو؛ أي «تغليف» مخاطر التأمين على بروتوكولات الكريبتو في أداة استثمارية شبيهة بالسند يمكن لصناديق التقاعد أو الصناديق المتخصصة في الـILS الاستثمار فيها. النقاشات الأولى بدأت بالفعل؛ فهناك اليوم تراكيب ILS لمخاطر السايبر، ويمكن تخيّل نماذج مشابهة لمخاطر اختراقات الكريبتو. أحد مقتطفات البحث أشار إلى هيكلة ILS بحجم محتمل يبلغ 500 مليون دولار، ما يعكس اهتمام المستثمرين. إذا أمكن تقديم مخاطر الكريبتو في قالب مقبول للمستثمرين التقليديين عبر أدوات ILS أو اتفاقيات إعادة التأمين، يمكن أن يتدفق رأس مال ضخم إلى هذا القطاع ويُعاد ضبط كفاءة استخدامه جذريًا؛ إذ لن تضطر بروتوكولات التأمين اللامركزي حينها إلى الإفراط في الضمان بأموال «الحيتان» من حاملي الكريبتو، بل يمكنها تحويل جزء من الخطر إلى أسواق متخصصة.
في الوضع الراهن، ضعف كفاءة رأس المال يبقي الأقساط مرتفعة؛ فالحصول على تغطية كبيرة في الكريبتو يمكن أن يكلف بين 2% و5% من مبلغ التغطية سنويًا، وهي نسبة أعلى من كثير من المنتجات المماثلة في التمويل التقليدي. خفض هذا الهامش، عبر نماذج تسعير أدق واستقطاب رأس مال خارجي، يمثل أولوية للمرحلة المقبلة.
مخاطر الأوراكل وموثوقية البيانات
الاعتماد على الأوراكل ومصادر البيانات في تأمين الكريبتو – خصوصًا في منتجات التأمين «البارامتري» – يخلق طبقة جديدة من المخاطر المرتبطة بإمكانية التلاعب بالبيانات أو تعطلها. إذا كان قرار صرف التعويضات قائمًا على أوراكل على السلسلة، فقد يحاول فاعل خبيث التلاعب بهذا الأوراكل.
تخيّل وثيقة تأمين تدفع تلقائيًا إذا هبط سعر توكن معين دون 0.50 دولار. حامل الوثيقة الخبيث قد يحاول تنفيذ هجوم تلاعب بالأوراكل السعري، باستخدام قروض فورية وأسواق ضعيفة السيولة لدفع السعر المبلّغ به مؤقتًا إلى ما دون 0.50 دولار، فيُفعّل التعويض ويحقق ربحًا. مثل هذه الهجمات لوحظت على نطاق واسع في بروتوكولات DeFi: شركة Chainalysis أشارت إلى أنه في عام 2022 وحده وقع ما لا يقل عن 41 هجوم تلاعب بالأوراكل على بروتوكولات DeFi نجم عنها أكثر من 400 مليون دولار من الأموال المسروقة. لم يُعلن حتى الآن عن حالة مشابهة تستهدف تجمّعات تأمين بعينها – ربما لصغر أحجامها حاليًا وقلة من يركز عليها – لكن الخطر قائم. التأمين البارامتري لا يكون أفضل إلا بقدر جودة بياناته؛ فإذا كانت مصادر البيانات قابلة للاستغلال أو معرضة للأعطال، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعويضات خاطئة، أو الامتناع عن التعويض حين يكون مستحقًا.
للحد من ذلك، يتوخى مطورو تأمين الكريبتو عناية شديدة في اختيار الأوراكل: كثيرون يعتمدون متوسطات زمنية للأسعار (TWAP) خلال فترات محددة لجعل التلاعب الآني أصعب، أو يستخدمون أوراكل موثوقة مثل Chainlink تستمد الأسعار من عدة منصات تداول. بعض النماذج تشترط مزيجًا من إشارات الأوراكل والتحقق البشري؛ مثلًا قد يكون للـDAO حق الفيتو على تعويض إذا اشتبه في تلاعب. بروتوكول Risk Harbor حاول تجنّب الأوراكل السعرية بالاستناد إلى حالات البروتوكول نفسها (مثل التحقق من معدل تحويل cToken في Compound)، وهي بيانات لا تعتمد على تغذية سعر خارجي وإن ظلت قابلة نظريًا للاستهداف عبر هجوم على البروتوكول ذاته.
مع ذلك، تبقى مخاطر الأوراكل تحديًا جوهريًا: كلما زادت «لامركزية» و«أتمتة» التأمين، ازدادت الحساسية لجودة بيانات يمكن التلاعب بها. وإذا أُدخل عنصر الحكم البشري لمراجعة الحالات المشكوك فيها، يعود قدر من الثقة والتمركز. تحقيق التوازن بين الأتمتة الكاملة والرقابة البشرية ليس أمرًا بسيطًا.
إلى جانب التلاعب الخبيث، هناك أيضًا مسألة توافر البيانات. أسواق الكريبتو تعمل على مدار الساعة عالميًا؛ وقد يعتمد المؤمّن على واجهة برمجة تطبيقات أو أوراكل معرضة للتوقف. إذا احتاجت مطالبة إلى دليل على وقوع الخسارة في فترة كان الأوراكل فيها معطّلاً، فما الحل؟ في التأمين التقليدي يمكن التحقيق بعد الواقعة، لكن وثائق التأمين على السلسلة تحتاج إلى نصوص واضحة لمصادر بيانات احتياطية أو تتحمل مخاطر «فجوات» في التغطية. هذه التفاصيل الفنية قد لا تخطر على بال المستخدم العادي، لكنها في صلب عمل مطوري بروتوكولات التأمين.
حوكمة المطالبات وبناء الثقة
في التأمين اللامركزي، يمكن لقضايا الحوكمة أن تكون عاملًا حاسمًا في ثقة المستخدمين. المنصات المملوكة للأعضاء تواجه تضاربًا بنيويًا في المصالح: حاملو التوكن الذين يديرون الخزينة قد يميلون – ولو ضمنيًا – إلى رفض مطالبات صحيحة حفاظًا على رأس المال، ما يقوّض جوهر وظيفة التأمين.
حتى الآن، بروتوكولات كبرى مثل Nexus Mutual تجنّبت فضائح صارخة؛ فمعظم المطالبات التي اعتبرها المجتمع «عادلة» جرى تعويضها. لكن احتمالات النزاع دائمًا قائمة. مثال بارز ظهر بعد انهيار عملة Terra UST: Nexus Mutual لم تغطِّ فقدان الربط (depeg) لأن وثائقها لم تتضمن هذا الخطر في حينه، بينما InsurAce قدمت تغطية صريحة لفك الربط. البعض انتقد Nexus لعدم توفير منتج مشابه أو لعدم الاستثناء في هذه الحالة، إلا أن الدفع خارج شروط الوثيقة كان سيُعد خروجًا على قواعد المنظومة. هذه الحالة تبرز مسألة حوكمة أساسية: تحديد نطاق التغطية والاستثناءات. الإفراط في التغطية يهدد الملاءة، والتشدد يترك المستخدمين دون حماية أو مستائين.
هناك أيضًا عامل سرعة تسوية المطالبات. مستخدمو DeFi يتوقعون استجابة شبه فورية، بينما قد تستغرق شركات التأمين التقليدي أسابيع أو أشهر للتحقيق في مطالبة معقدة. بروتوكولات DeFi تحاول أن تكون أسرع: InsurAce حسمت مطالبات UST في نحو شهر، وهو زمن يُعد سريعًا في سيناريو كارثي بهذا الحجم. Nexus Mutual قد تحتاج أسبوعًا أو أسبوعين تبعًا لفترات التصويت. Risk Harbor قادرة نظريًا على صرف التعويض فور تحقق الشروط، لكن نهائية البيانات (finality) قد تفرض الانتظار لساعات أو أيام حتى تُثبت الأسعار. إذا بدت الحوكمة بطيئة أو تعسفية، قد يعزف المستخدمون عن شراء التأمين أصلًا؛ فما جدوى دفع قسط إذا لم يكن هناك يقين بشأن الحصول على التعويض؟ مطلوب إذن آليات حوكمة تحقق توازنًا بين السرعة والإنصاف والدقة.
التعريفات والخلافات حول نطاق التغطية تمثل تحديًا آخر: ما هو «الاختراق» أو «الاستغلال» في السياق التقني والقانوني؟ إذا فُقدت أموال بسبب خلل في واجهة المستخدم لا في العقد الذكي نفسه، هل يُعد ذلك مغطى؟ إذا أوقف بروتوكول عمليات السحب لفترة (كما حدث في أزمات سابقة) وحافظ بذلك على الأموال لكن المستخدم لم يستطع الوصول إلى أصوله أسبوعًا، هل يُعد هذا خسارة؟ بعض الوثائق باتت توفر تغطية صريحة لحالات «تجميد السحب» كما فعلت Unslashed وInsurAce.
هذه التفاصيل الدقيقة تفتح الباب لمعارك حوكمة. شركات التأمين التقليدية تستند إلى لغة قانونية ومحاكم تبت في التفسير؛ التأمين اللامركزي يعتمد على الشفرة والتصويت المجتمعي، وهو نموذج مختلف كليًا. لم نشهد بعد حالة يجر فيها حامل وثيقة بروتوكول تأمين DeFi إلى القضاء للطعن في قرار رفض مطالبة – ربما لصغر القيم محل النزاع أو لطبيعة الهويات المستعارة – لكن إذا تضخّم القطاع، فاحتمال اللجوء للقضاء وارد، كأن يرفع مستخدم دعوى على الكيان الخاضع للتنظيم الذي يقف خلف «الميوتوال» بدعوى أن العملية كانت غير عادلة أو مضللة. مثل هذه القضايا ستكون سابقة قانونية مهمة.
في نماذج التأمين المركزية في الكريبتو، تظهر مشكلات الحوكمة بصورة مختلفة: غالبًا عبر توسيع الاستثناءات وفرض شروط وضمانات قاسية تجعل رفض المطالبات أسهل. بعض الوثائق المبكرة في هذا المجال اكتسبت سمعة سيئة بسبب بند استثناءات واسع النطاق – مثل استثناء أي خسائر ناجمة عن عطل في البلوكتشين نفسه (إذا استُغل خلل في Ethereum مثلًا)، أو استثناء «السّرقة الداخلية» ما لم تُثبت قضائيًا. مثل هذه البنود تجعل التغطية أقرب إلى الوهم. يضاف إلى ذلك فجوة المعرفة؛ كثير من المكتتبين التقليديين في البدايات لم يملكوا فهمًا عميقًا لتقنيات الكريبتو، ما أدى إلى تسعير خاطئ: إما مبالغة في القسط، أو تحمل مخاطر لا يُفترض قبولها. بمرور الوقت، بدأت فرق متخصصة في هذا التقاطع بين التأمين والتقنية تظهر وتغلق هذه الفجوة.
إعادة التأمين وحدود الطاقة الاستيعابية
قدرة سوق تأمين الكريبتو على النمو مرتبطة جزئيًا بتوافر إعادة التأمين – أي التأمين على شركات التأمين نفسها. إعادة التأمين تتيح للجهات المصدرة للوثائق توسيع محافظها عبر مشاركة جزء من المخاطر مع شركات أكبر.
في الكريبتو، مشاركة شركات إعادة التأمين ما زالت محدودة، إلى حد كبير بسبب انتظار هذه الشركات لمزيد من البيانات وتنظيم أوضح. لكن بوادر التغيير موجودة: Munich Re تدعم منصة Chainproof، وشركة Arch تقوم عمليًا بدور معيد التأمين أو الداعم لسياسات كبيرة أصدرتها Evertas، كما تُشير تقارير إلى ترتيبات حصة مشاركة (Quota-Share Treaties) غير مُعلنة مع بعض شركات إعادة التأمين لتغطية مخاطر أمن الحفظ (Custody).
المعضلة الرئيسة لشركات إعادة التأمين هي «مخاطر التجمّع»؛ أي سيناريو وقوع حدث واحد يتسبب في خسائر متزامنة لعدد كبير من المؤمن لهم. في الكريبتو، يمكن أن يكون ذلك ثغرة خطيرة في بلوكتشين رئيسية أو انهيارًا واسعًا في السوق يقود إلى سلسلة من الإخفاقات في البروتوكولات والبورصات. حينها تواجه شركات التأمين وإعادة التأمين مطالبات مترابطة في وقت واحد، بخلاف حوادث مثل حرائق المنازل التي غالبًا ما تكون مستقلة. الوضع شبيه بالتأمين السيبراني، حيث يمكن لهجمة برمجية واحدة أن تطال مؤمنين كثر؛ وتعالج شركات إعادة التأمين ذلك بوضع حدود صارمة للتغطية وجمع بيانات كافية لنمذجة أسوأ السيناريوهات المجمّعة.
في غياب إعادة التأمين، يظل كل مؤمّن أو «ميوتوال» مقيدًا بحجم رأسماله الخاص. لهذا تبقى محفظة Nexus Mutual عند سقف معين، ولهذا تقدم بعض السنديكات في لويدز حدود تغطية متواضعة لكل وثيقة. مع انفتاح قنوات إعادة التأمين، ستتوسع الطاقة الاستيعابية.
بدأنا نرى كذلك ظهور وسطاء تأمين متخصصين في الكريبتو مثل منصة “Native” المشار إليها في تقرير CoinDesk، والتي تعمل على الربط بين شركات الكريبتو وكيانات مثل Nexus Mutual وأسواق التأمين التقليدية. “Native” تعتزم تشغيل وكالة إدارة (MGA) فوق Nexus Mutual، وفي الوقت نفسه البحث عن إعادة تأمين للمخاطر المغطاة. هذا النموذج يلمّح إلى مسار هجيني يمكن عبره إدخال رأس مال مؤسسي أكبر إلى تأمين الكريبتو، وتوسيع قدرته على تحمّل المخاطر دون تحميل مجتمع الكريبتو وحده عبء رأس المال.تخيل شركة تشتري وثيقة تأمين يتم تغطيتها بنسبة 50% عبر Nexus Mutual (كمجمّع سيولة على السلسلة)، و50% عبر معيد تأمين تقليدي في الخلفية. هذا المزج بين السعات اللامركزية والتقليدية يمكنه معالجة مشكلة نقص الطاقة الاستيعابية في سوق تأمين الأصول المشفّرة. لكن في المقابل، سيطالب معيدو التأمين بنماذج تسعير ومخاطر موثوقة، ما يفتح تحدياً كبيراً أمام بناء نماذج متخصصة لاختراقات البروتوكولات، وتقييم درجة أمان الأكواد والبنى التقنية. شراكة Quantstamp مع Sompo مثال مبكر على نقل هذه الخبرات من قطاع التأمين التقليدي إلى عالم الكريبتو.
تحدٍ آخر في مجال إعادة التأمين هو ضعف التوحيد القياسي. معظم وثائق التأمين على الأصول المشفّرة تُصاغ بشكل شبه “مفصّل حسب الطلب”، ما يصعّب تجميعها في محافظ قياسية وإعادة تمرير المخاطر إلى معيدي التأمين. القطاع يعمل حالياً على توحيد الصياغات؛ على سبيل المثال، قام لويدز بإدراج بعض الصيغ القياسية في مستودع الصيغ لديه. عندما تترسّخ وثائق أكثر تجانساً – مثل صيغة موحدة لـ“وثيقة حفظ الأصول الرقمية” تستخدمها عدة شركات تأمين – يصبح بإمكان معيدي التأمين توقيع اتفاقيات (Treaties) تغطي هذه المجموعة القياسية من الأخطار بسهولة أكبر. الاتجاه يسير في هذا المسار، لكن الوصول إلى درجة نضج مقبولة يستغرق وقتاً.
على مستوى السوق، يبرز تحدي “التثقيف وبناء الثقة”. كثير من حاملي الأصول المشفرة، خصوصاً الأفراد، إما لا يعلمون بوجود تأمين للكريبتو أصلاً، أو يعتقدون أنه مكلف ومعقّد وغير مجدٍ. هناك أيضاً شريحة من أنصار DeFi المتشددين يثقون في الكود أكثر من شركات التأمين؛ قد تسمع أحدهم يقول: “لماذا أعتمد على تصويت أعضاء Nexus Mutual بينما يمكنني التنويع أو الاكتفاء بالتأمين الذاتي عبر الاحتفاظ بهامش أمان؟”. زيادة اختراق التأمين لهذا السوق قد تتطلب حملات توعية أوسع، وربما قصص نجاح بارزة: على سبيل المثال، إذا تعرّضت منصة مركزية لاختراق وتم تعويض جميع عملائها المؤمن عليهم فوراً، بينما تكبّد عملاء منصة أخرى غير مؤمّنة خسائر كاملة، فإن المقارنة ستكون رسالة عملية قوية عن قيمة التأمين. اليوم، يدرك كثيرون أهمية التأمين فقط بعد تكبّد خسائر فعلية؛ بعد انهيار Terra مثلاً، بدأ بعض المستثمرين في تأمين مراكزهم في بروتوكولات أخرى. تجاوز حالة الشك – خاصة بعد حوادث مثل انهيار Cover Protocol أو الجدل حول نافذة المطالبات في InsurAce – هو مهمة مستمرة. الشفافية تلعب دوراً محورياً: بروتوكولات مثل Nexus تنشر بيانات المطالبات المدفوعة على لوحة معلوماتها، ما يساهم في بناء الثقة.
هناك أيضاً عوامل خارجية قد تعيد تشكيل مشهد تأمين الكريبتو: غموض اللوائح التنظيمية (كما في الولايات المتحدة، حيث يدفع عدم الوضوح التنظيمي بعض شركات التأمين إلى تجنّب السوق أو تحميل التسعير “علاوة غموض”)، والعوامل الكلية (سوق هابطة حادة تقلّص القيمة الدولارية لبرك السيولة والأقساط وتقيد ملاءة شركات التأمين؛ بينما السوق الصاعدة ترفع القيم والأصول المعرضة للخطر وقد تخلق فجوة بين حدود التغطية والمخاطر الفعلية إن لم تُعدّل الحدود بالتوازي)، والتغيرات التكنولوجية (مثل الانتقال إلى Ethereum 2.0 أو الانتشار الواسع لحلول الطبقة الثانية Layer-2، ما يغيّر خريطة التهديدات ويُلزم شركات التأمين بتحديث نماذجها؛ أو بروز مخاطر الحوسبة الكمية على خوارزميات التشفير خلال سنوات، ما قد يدفع بعض الوثائق إلى استثناء ما يشبه “أعمال الكم” ما لم تظهر حلول تقنية واضحة).
خلاصة الأمر أن تأمين الأصول المشفّرة يسير بزخم ملحوظ، لكنه يحتاج إلى تجاوز هذه العقبات ليصل إلى كامل إمكاناته. المطلوب هو توظيف رأس المال بكفاءة أعلى (ربما عبر شراكات أعمق مع القطاع التقليدي)، وإدارة تعقيدات بيانات الأوراكل والعمليات على السلسلة بصورة آمنة، وضمان حوكمة عادلة وفعالة للمطالبات، مع فتح قنوات أوسع إلى أسواق إعادة التأمين. الشركات العاملة في هذا الحقل تدرك هذه التحديات جيداً؛ الكثير من الابتكارات الحالية – من التغطيات البارومترية (Parametric)، إلى ربط Nexus بوسطاء التأمين، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر – موجهة أساساً لحل هذه الإشكاليات. هذا يقودنا إلى السؤال التالي: كيف سيبدو مستقبل تأمين الكريبتو، وكيف سيتم التعامل مع هذه التحديات؟
المستقبل: ردم فجوة الحماية
في السنوات المقبلة، من المرجح أن نشهد نمواً قوياً وابتكاراً مكثفاً في تأمين الأصول المشفّرة بهدف تضييق فجوة التغطية الشاسعة (اليوم ما يقارب 98–99% من الأصول المشفرة غير مؤمّنة). عدة اتجاهات ستلعب دوراً محورياً: صعود التغطيات البارومترية والآلية، توظيف الذكاء الاصطناعي في نمذجة المخاطر، اندماج أعمق مع حلول التوسع من الطبقة الثانية والأنظمة متعددة السلاسل، دخول مؤسساتي أوسع، ومزيد من المزج بين طاقات التأمين التقليدية واللامركزية.
التغطيات البارومترية والآلية
التأمين البارومتري – حيث يُحدَّد التعويض بناءً على تحقق مؤشر أو معيار متفق عليه مسبقاً بدلاً من تسوية كل مطالبة على حدة – يبدو ملائماً للغاية لبيئة الكريبتو. من المتوقع ظهور طيف واسع من هذه المنتجات. إلى جانب تغطيات انفصال السعر (Depeg) للعملات المستقرة، التي أصبحت قائمة بالفعل وتدفع تعويضاً عندما يبقى سعر العملة دون عتبة معينة لفترة زمنية محددة، قد نرى:
- تغطيات تقلبات سوقية: تدفع تعويضاً إذا تجاوز تعطل منصة تداول مركزية عدداً معيناً من الساعات، أو إذا تعرّض أحد الأصول لـ“انهيار خاطف” يتجاوز نسبة محددة.
- تغطيات أداء البروتوكولات: تدفع تعويضاً إذا انخفضت القيمة الإجمالية المقفلة (TVL) في بروتوكول DeFi بنسبة Y% خلال يوم واحد، بما قد يشير إلى اختراق أو “هجمة سحب سيولة”.
يمكن ربط هذه الوثائق بالعقود الذكية لضمان تنفيذ “عديم الثقة”. الصورة الجذابة هنا هي عالم تُنفَّذ فيه تعويضات التأمين فوراً وعلى السلسلة عند وقوع اختراق أو استغلال، ما يوفّر سيولة فورية للمتضررين – وهو عنصر سرعة تعجز نماذج التأمين التقليدية عادة عن مجاراته، إذ قد تستغرق تسوية الكوارث الكبرى شهوراً. تجربة Risk Harbor مع انفصال UST عن الدولار كانت مثالاً عملياً: بمجرد وصول UST إلى سعر التفعيل، أمكن لحملة التغطية استرداد تعويضاتهم من دون نقاشات مطوّلة، ما سمح للبعض بإعادة التموضع سريعاً، في حين ظل آخرون ينتظرون عمليات تسوية يدوية تحمل قدراً كبيراً من عدم اليقين.
طبعاً، هذا يضاعف أهمية سلامة بنية الأوراكل؛ لكن تطور شبكات الأوراكل اللامركزية، المعتمدة على مصادر بيانات متعددة وأدلة تشفيرية، من شأنه التخفيف من هذه المخاطر. على المدى المتوسط، قد تتوسع التغطيات البارومترية إلى أحداث خارج السلسلة لكنها مؤثرة في الكريبتو: سياسة تدفع تعويضاً إذا حظرت حكومة معيّنة تداول الأصول المشفرة، أو إذا وقعت انقطاعات إنترنت واسعة تؤثر على التعدين، مع الاستعانة بأوراكل تنقل الأخبار والبيانات التنظيمية وحالات الطقس وغيرها إلى السلسلة. أشار مقال لجينر & بلوك (Jenner & Block) إلى مثال شركة Arbol التي تستخدم العقود الذكية لإصدار تأمينات طقس بصيغة NFT – وهي بطبيعتها بارومترية. ومع تعاظم تقاطع DeFi مع الاقتصاد الواقعي (مثل توكينزة المحاصيل أو أرصدة الكربون)، قد يمتد التأمين البارومتري على السلسلة إلى تلك القطاعات أيضاً، في تمازج أوسع مع موجة الـInsurTech. لكن في المدى القريب، الفرصة الأكبر داخل الكريبتو هي تغطية عدد أكبر من البروتوكولات والأحداث بأقل قدر ممكن من التدخل البشري.
قابلية التركيب والتداول في وثائق التأمين
من المتوقع أن تصبح وثائق التأمين نفسها أصولاً قابلة للتداول في منظومة DeFi. إذا كنت تمتلك “توكن تغطية” ضد اختراق بروتوكول معيّن، فقد يمكنك استخدامه كضمان في بروتوكول آخر أو بيعه في سوق ثانوية إذا خرجت من هذا البروتوكول ولم تعد بحاجة للتغطية. هذا يضيف طبقة سيولة لمنتجات التأمين، ويترك تسعير المخاطر لقوى السوق. بعض المشاريع جرّبت هذا النهج بالفعل، مثل توكنات التغطية القابلة للتداول لدى Unslashed، ومحاولات Nexus لتوكنزة NXM عند اكتمال الضمانات. وجود سوق نشطة لمخاطر التأمين قد يجذب مستثمرين جدد لتوفير سعات إضافية، مؤسساً لنوع من “إعادة التأمين اللامركزي” حيث تُتداول المخاطر مثل أي أصل مالي آخر.
الذكاء الاصطناعي ونمذجة المخاطر المتقدمة
التأمين تاريخياً صناعة قائمة على البيانات والعلوم الاكتوارية. في الكريبتو، المشكلة ليست ندرة البيانات اللحظية بل قصر تاريخها وغياب سلاسل زمنية طويلة، مقابل وفرة هائلة من البيانات التفصيلية على السلسلة. هذا يجعل المجال بيئة مثالية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، في مجالات متعددة:
-
تحليل العقود الذكية: نماذج متخصصة قادرة على مراجعة كود Solidity بسرعة، مستفادة من تاريخ الثغرات والاستغلالات السابقة، لتقدير احتمال وجود نقاط ضعف. يمكن لشركة تأمين أن تعتمد على “درجة مخاطر” آلية لبروتوكول DeFi، تُستكمَل بمراجعة بشرية، لضبط الأقساط وشروط التغطية.
-
رصد الشذوذ على السلسلة: أنظمة ذكاء اصطناعي تراقب التدفقات والأنماط على البلوكتشين في الزمن الحقيقي لرصد مؤشرات الهجمات (مثل تفريغ مفاجئ للسيولة من محافظ متعددة، أو تغيرات حادة في مؤشرات بروتوكول واحد). هذه الأدوات قد تستخدم كإنذار مبكر لتحسين قياس الخسائر أو تحديث نماذج المخاطر، مع ضرورة الحرص على عدم استخدام الرصد الذكي ذريعة لإيقاف التغطية بشكل مجحف لحَمَلة الوثائق أثناء وقوع الحادث.
-
التسعير وتحسين المحافظ: في سوق شديدة الترابط والتقلب مثل الكريبتو، يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاة آلاف السيناريوهات (باستخدام أساليب مثل مونت كارلو) لتقدير مخاطر الارتباط: ماذا لو وقع خلل بروتوكولي في إيثريوم بالتزامن مع انهيار سعري حاد؟ مثل هذه النماذج تساعد على اكتشاف سيناريوهات “كارثية متعددة” لا تكشفها الأساليب التقليدية بسهولة بحكم عدم وجود سوابق تاريخية كافية، وبذلك تساعد على تسعير أدق لا هو مفرط التشاؤم ولا متهوّر.
-
مكافحة الاحتيال: إذا توسعت تغطيات الكريبتو لتشمل سرقات من محافظ أفراد، فسيكون للذكاء الاصطناعي دور أساسي في فض النزاع حول المطالبات. تحليل سلوك المحافظ، وأنماط التحويلات، والعلاقات بين العناوين قد يكشف إن كان “الاختراق” مفتعلاً أو مدبّراً من الداخل. بعض اللاعبين، مثل Coincover، يستخدمون بالفعل “محركات مخاطر” لتحليل المعاملات ورصد العمليات غير المصرح بها، وهذه الأدوات مرشحة لتصبح معياراً في التأمين الموجه للأفراد.
-
التسعير الشخصي: على المدى الأبعد، يمكن أن يتيح الذكاء الاصطناعي تسعيراً شبه شخصي في DeFi، بناءً على سلوك المحفظة وتنوّع المراكز وجودة إدارة المخاطر لدى المستخدم، بما يشبه نماذج التسعير حسب السلوك في تأمين السيارات أو الصحة، لكن مكيّفة لبيئة الأصول المشفّرة.
مجتمعة، هذه الاتجاهات تشير إلى أن تأمين الكريبتو يتجه نحو نموذج أكثر آلية، وارتباطاً أعمق بالبنية التحتية على السلسلة، وأكثر اعتماداً على البيانات والتحليلات الذكية، مع استمرار انفتاحه على رأس المال التقليدي عبر مسارات إعادة التأمين والشراكات المؤسسية. كيف ستُترجم هذه الرؤية إلى منتجات فعلية ونماذج أعمال مستدامة؟ هذا ما سيحدّد في النهاية شكل “طبقة التأمين” في نظام المال المشفّر خلال العقد القادم.حاليًا يدفع معظم المستخدمين أقساطًا متقاربة لتأمين نفس البروتوكول تقريبًا، بغضّ النظر عن سلوكهم الفردي. لكن على المدى المتوسط، قد نشهد نقلة نوعية مع ربط المحافظ مباشرة بأدوات ذكاء اصطناعي تقوم بتقييم مستوى المخاطر الشخصي لكل مستخدم: طريقة حفظ المفاتيح الخاصة، نمط التفاعل على السلسلة، مدى التعامل مع العقود عالية المخاطر… إلخ. بناءً على هذه المعطيات، يمكن للمنصة إعادة تسعير القسط بشكل ديناميكي. هذه الفكرة تشبه نموذج “التليماتكس” في التأمين على السيارات، حيث يحصل السائق الحذر على خصومات ملموسة.
فعلى سبيل المثال، مستخدم يعتمد محافظ أجهزة (Hardware Wallets)، وتواقيع متعددة (Multi-sig)، ولا يتعامل إلا مع بروتوكولات مدققة وذات سجلات أمان قوية، قد يدفع قسطًا أقل لتأمين محفظته مقارنة بمستخدم آخر يندفع باستمرار إلى عقود لم تخضع لأي تدقيق أمني. بطبيعة الحال، يثير هذا النموذج أسئلة حساسة حول الخصوصية، لكن إذا استند إلى موافقة صريحة من المستخدم، يمكن أن يتحول إلى أداة قوية لدفع السلوك نحو ممارسات أكثر أمانًا، مع مكافأة المستخدمين المنضبطين بتكاليف أقل.
الاندماج مع الشبكات من الطبقة الثانية والنظام متعدّد السلاسل
مع اتساع استخدام البلوكتشين عبر سلاسل متعددة وحلول تحجيم مختلفة، من الطبيعي أن ينتقل التأمين لمواكبة هذا التنوع. نشهد بالفعل منتجات مثل تغطية Nexus Mutual على شبكة Base (حل الطبقة الثانية التابع لـ Coinbase)، والتي تقدم وثيقة واحدة تغطي عدة بروتوكولات على Base. هذا الاتجاه نحو “وثيقة واحدة – تغطيات متعددة” مرشح للتوسع بقوة.
قد نرى مثلًا منتجًا من نوع “تأمين شامل لمخاطر DeFi” يغطي تلقائيًا جميع مراكز المستخدم عبر شبكات مثل Ethereum وArbitrum وPolygon وغيرها، ضد مجموعة محددة من الأخطار. لتحقيق ذلك بكفاءة، سيكون على بروتوكولات التأمين نفسها الانتشار على هذه الشبكات، لا سيّما على الطبقة الثانية، مستفيدة من انخفاض رسوم الغاز قياسًا بشبكة Ethereum الرئيسية. الانتقال إلى L2 لا يخفّض التكلفة على المستخدم وحسب، بل يتيح أيضًا تفاعلات أكثر تكرارًا وديناميكية: تحديث التغطيات باستمرار، أو دفع الأقساط عبر التدفق (Streaming) بمبالغ صغيرة وعلى فترات قصيرة.
من المرجّح أن نشهد منصات مثل InsurAce تتوسع إلى مزيد من السلاسل، فيما قد يفضّل لاعبون جدد إطلاق منتجاتهم أصلاً على شبكات من الطبقة الثانية أو السلاسل الجانبية (Sidechains)، حيث يمكنهم الاندماج بشكل أوثق مع تلك الأنظمة البيئية.
الجسور بين السلاسل: نقطة ضعف… وفرصة تأمين
الجسور بين السلاسل تمثل واحدة من أضعف الحلقات في البنية التحتية للعملات المشفرة، كما أظهرت حوادث ضخمة مثل اختراقات Ronin وPoly Network وWormhole، التي بلغت خسائرها مئات الملايين من الدولارات. هذا يجعل “مخاطر الجسر” فئة قائمة بذاتها من الأخطار التي يتزايد الطلب على تأمينها.
أحد السيناريوهات المستقبلية يتمثل في لجوء بروتوكولات الجسور، أو حتى مشغليها أنفسهم، لشراء تغطيات مباشرة أو إنشاء صناديق تعاضدية (Mutual Pools) مخصصة لتعويض المستخدمين حال وقوع اختراق. يمكن تصور نموذج من نوع “Bridge Mutual” تشترك فيه أكبر الجسور لتجميع رأس مال يستخدم لتعويض المستخدمين عند التعرض لهجوم، وربما يُدار هذا النموذج عبر شركة تأمين تقليدية أو DAO متخصصة.
على المدى الأطول، قد يصبح وجود تغطية تأمينية معيارًا أساسيًا لأي جسر يسعى لاجتذاب سيولة واسعة؛ فمعرفة أن أصول المستخدمين ستُعوَّض – ولو حتى لحد أقصى محدد – في حالة الاستغلال، تُسهم في ترسيخ الثقة بالجسر وبالمنظومة متعددة السلاسل ككل.
التأمين المُضمَّن في التجربة… من المحفظة إلى البروتوكول
مع انتشار حلول الطبقة الثانية وازدياد دخول المستخدمين الأفراد عبر هذه الشبكات الأرخص تكلفة، قد يتحول التأمين إلى جزء “متوقَّع” من تجربة الاستخدام، ومدمج مباشرة في واجهات المحافظ أو البروتوكولات. يمكن تصور محفظة على L2 تتضمن خيارًا بسيطًا:
“حماية أصولي – التكلفة 0.1% سنويًا من قيمة المحفظة”،
بحيث تقوم المحفظة، خلف الكواليس، بشراء تغطية من مزوّد تأمين شريك يغطي مخاطر المحفظة والمفاتيح الخاصة.
هذا هو جوهر نموذج “التأمين المضمَّن” (Embedded Insurance)، الذي يدمج الحماية ضمن المنتج الأساسي بشكل سلس، بدلًا من إلزام المستخدم بالبحث عن وثيقة مستقلة. مثل هذا النهج قد يكون عاملًا حاسمًا في تعميم استخدام DeFi وWeb3، لأن المستخدم التقليدي يتوقع مستوى من الحماية يشبه ما تقدمه أنظمة مثل FDIC في البنوك. وإذا قدمت المحافظ أو المنصات هذه التغطية افتراضيًا – مع إمكانية إلغاء الاشتراك لمن لا يريد دفع التكلفة – فقد يرتفع معدل الاعتماد بشكل كبير دون حاجة لمجهود إضافي من المستخدم.
دخول المؤسسات: حين تتحرك “الثقيلة” في التأمين
مستقبل تأمين العملات المشفرة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوتيرة تبني المؤسسات للأصول الرقمية. مع دخول البنوك ومديري الأصول والشركات الكبرى على الخط، من المرجح أن تتجه “الأسماء الثقيلة” في صناعة التأمين إلى هذا السوق بوتيرة أسرع.
بدأنا نرى مؤشرات واضحة: وسطاء عالميون مثل Aon وMarsh يروجون بفعالية لحلول تأمينية مخصصة للعملات المشفرة، فيما تدرس شركات تأمين كبرى مثل Allianz وAIG هذا المجال عن قرب. وفي استطلاع لقطاع التأمين في 2025، أشار عدد من الشركات إلى أن الأطر التنظيمية الأوضح – مثل تشريع MiCA في الاتحاد الأوروبي – عززت استعدادهم لتقديم تغطيات في سوق الأصول الرقمية، إذ تقل مخاطر التورط عرضًا في تأمين كيانات غير مرخصة أو أنشطة مخالفة.
أحد المسارات الساخنة هنا هو خدمات الحفظ المؤسسية (Institutional Custody). فعندما يطرح أمناء حفظ تقليديون مثل BNY Mellon وState Street حلول حفظ للأصول الرقمية، فإنهم ينقلون معهم توقعًا راسخًا بوجود تأمين قوي على تلك الأصول. قد تختار هذه المؤسسات آلية “التأمين الذاتي” عبر شركات تأمين تابعة (Captives)، أو تتجه للحصول على تغطيات كبيرة من السوق. كلا الخيارين يعني زيادة في “الطاقة الاستيعابية” المتاحة في سوق تأمين التشفير، مع دخول مزيد من شركات التأمين لخدمة كيانات ذات سمعة ائتمانية عالية.
الأمر نفسه ينطبق على صناديق التقاعد أو صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) التي تحتفظ بأصول مشفرة؛ فالصناديق التي تستثمر مباشرة في البيتكوين مثلًا (ضمن صناديق Spot ETFs محتملة في الولايات المتحدة) ستسعى في الأغلب لتوفير تغطية تأمينية لمخاطر الحفظ. الطلب المحتمل هنا يراوح بين مئات الملايين إلى مليارات الدولارات من الطاقة الاستيعابية، ما يشجع شركات التأمين على تخصيص رؤوس أموال أكبر لهذا القطاع.
تكامل بين التأمين التقليدي وDeFi: نحو نماذج هجينة
الحدود بين التأمين التقليدي وتأمين DeFi قد تصبح أكثر ضبابية مع مرور الوقت. شركات التأمين الكبرى قد تنظر إلى منصات DeFi باعتبارها قنوات جديدة لتوزيع المخاطر أو لتوزيع المنتجات. في سيناريو محتمل، قد توفر شركة تأمين تقليدية تغطية إعادة تأمين (Reinsurance) لمجمّع مخاطر تابع لـ Nexus Mutual في الخلفية، فيما يمكن لبروتوكول تأمين لامركزي أن يعيد تأمين جزء من محفظته لدى سوق مثل Lloyd’s في لندن.
أشار مسؤول التسويق في InsurAce إلى أن أحد الاتجاهات المحورية سيكون “ظهور جسور بين التأمين التقليدي والتغطية القائمة على البلوكتشين، بما يسمح بسعات أعلى ومرونة أكبر… بما يعود بالنفع على DeFi عبر طاقة استيعابية أعلى، وعلى التأمين التقليدي عبر كفاءة تشغيلية أكبر”. هذه الرؤية ترسم ملامح نماذج هجينة جديدة؛ المستخدم يشتري وثيقته عبر واجهة DeFi، بينما يتم توزيع المخاطر فعليًا بين مموّلي سيولة لامركزيين وشركات تأمين تقليدية تتحمل جزءًا من العبء على ميزانياتها.
التسوية الآلية عبر العقود الذكية بين البروتوكولات وشركات إعادة التأمين يمكن أن تُخفّض التكاليف الإدارية بشكل كبير، وتزيد من سرعة دفع التعويضات، وتمنح شركات التأمين التقليدية وصولًا إلى قاعدة عملاء جديدة في اقتصاد Web3. في المقابل، تستفيد بروتوكولات DeFi من رأس مال أعمق ومن طبقة إضافية من المصداقية التنظيمية.
البعد التنظيمي ودور الحكومات: شبكة أمان على مستوى النظام
إذا تحولت الأصول الرقمية إلى مكوّن بنيوي في النظام المالي العالمي، فمن المرجح أن يتعاظم دور الحكومات والجهات التنظيمية في رسم قواعد اللعبة التأمينية. أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في إنشاء برامج إعادة تأمين حكومية لمواجهة المخاطر “النظامية” في سوق التشفير، على غرار ما فعلته بعض الدول في مجال تأمين مخاطر الإرهاب، حيث يصعب على السوق الخاص وحده استيعاب خسارة بحجم 11 سبتمبر.
في حال إصدار بنوك مركزية لعملات رقمية (CBDCs)، قد تذهب بعض التشريعات إلى اشتراط أن تكون أي محفظة أو مزود خدمة يتعامل مع تلك العملات مغطى بتأمين أو ضمانات مكافئة. كذلك قد تظهر صناديق تأمين شبه عامة – شبه خاصة؛ مثل صندوق قطاعي واسع لتغطية تعثرات البورصات أو منصات التداول، يمول من رسوم تفرض على تلك المنصات، في نموذج قريب من صندوق تأمين الودائع البنكية (FDIC) في الولايات المتحدة. هذا السيناريو لا يزال نظريًا، لكنه قد يكتسب زخمًا إذا شهد السوق انهيارًا جديدًا لمنصة ضخمة بحجم FTX، بما يخلق ضغطًا سياسيًا وشعبيًا لدفع المنظمين إلى فرض ترتيبات حماية مؤسسية.
المخاطر التقنية الجديدة: من تهديدات الكم إلى تأمين الـ PoS
على مستوى التكنولوجيا، لا يتوقف مشهد المخاطر عن التطور. التقدم في الحوسبة الكمية (Quantum Computing) يُعد أبرز مثال؛ إذ يثير مخاوف حقيقية بشأن قوة الخوارزميات التشفيرية التي تحمي مفاتيح البيتكوين وغيرها. قد تلجأ شركات التأمين إما لاستثناء المخاطر “ما بعد الكم” من التغطية القياسية، أو طرح منتجات متخصصة لتأمين “مخاطر الاختراق الكمي”، بحيث تغطي سيناريو سرقة الأصول باستخدام تقنيات كمّية مستقبلًا.
هناك أيضًا المخاطر الخاصة بالبنى الحديثة مثل شبكات إثبات الحصّة (Proof-of-Stake). “مخاطر الـ Slashing” – أي خسارة جزء من الحصّة المرهونة نتيجة سلوك مخالف أو تعطّل فني – لم تكن مطروحة في أيام بيتكوين الأولى، لكنها تحولت مع انتقال إيثيريوم إلى PoS إلى خط مخاطرة قائم بذاته، ما دفع إلى طرح منتجات تأمينية جديدة تحمي المراهنين والمفوضين من هذه الخسائر.
شركات التأمين، سواء التقليدية أو اللامركزية، مضطرة لإعادة تعريف حدود التغطية باستمرار لمجاراة هذه التطورات، من أخطاء البرمجيات المعقدة إلى تصميمات الحوافز الاقتصادية في بروتوكولات DeFi.
نحو تأمين “مُدمَج” في النظام المالي المشفّر
المسار العام يشير إلى مستقبل يكون فيه تأمين التشفير أكثر تكاملًا وأتمتةً واتساعًا في الطاقة الاستيعابية. بمرور الزمن، قد نتوقف حتى عن استخدام وصف “تأمين تشفير” كفئة منفصلة، ونتحدث بدلًا من ذلك عن “التأمين” فقط في عالم باتت فيه البلوكتشين جزءًا من البنية التحتية المالية. علامة النضج الحقيقية ستكون حين يبدأ المستخدمون اليوميون في افتراض وجود طبقات حماية معيّنة بشكل بديهي.
قد يصبح من المألوف أن تعرض البورصات الكبرى شارة واضحة تقول: “الأصول مؤمَّنة حتى X دولارًا من قبل شركة تأمين Y”، على غرار شعار “الودائع مؤمّنة” في البنوك. وفي واجهات بروتوكولات الإقراض اللامركزية، قد يعتاد المستخدم أن يرى إشعارًا مثل: “هذا المجمّع مغطى عبر Nexus Mutual – انقر للاطلاع على الشروط”، ليعامل وجود تلك الحماية كعامل حاسم في قراره الاستثماري.
كلمة أخيرة
تأمين الأصول المشفرة، الذي بدأ كتجربة هامشية، تحول تدريجيًا إلى ركيزة أساسية في بنية اقتصاد الأصول الرقمية وDeFi. جوهر هذا القطاع أنه يجيب على السؤال البسيط والحارق في آن واحد: “ماذا لو ساءت الأمور؟”. عبر توفير مظلة مالية ضد السرقات والاختراقات والكوارث الأخرى، يضيف التأمين طبقة مهمة من الثقة إلى سوق يشتهر بتقلّباته ومخاطره الحادة.
استعرضنا في هذا الإطار ماهية تأمين التشفير وأهميته، وكيف يمكن أن يسرّع تبني العملات المشفرة من جانب الأفراد والمؤسسات على حد سواء، من خلال تقليص الخوف من الخسارة الكارثية. تتبعنا تطوره من تغطيات بدائية تركز على مخاطر الحفظ إلى ظهور صناديق تعاضدية لامركزية ومجمّعات مخاطر تتكامل اليوم مع أسواق تأمين عريقة مثل Lloyd’s of London.
كما بيّنا أن المخاطر تمتد عبر المحافظ وNFTs وDeFi، ولا توجد منطقة “خالية من الخطر”: المحافظ الساخنة عرضة للاختراق، الباردة يمكن أن تُفقد أو تُتلف مفاتيحها، الـNFTs يمكن أن تُسرق أو تتبخر قيمتها السوقية، وبروتوكولات DeFi يمكن أن تنهار تحت وطأة ثغرة برمجية أو تصميم اقتصادي معيب. وهذه تحديدًا هي الفئات التي يسعى التأمين إلى تغطيتها وتطوير أدوات قياسها وتسعيرها.
التحدي في المرحلة المقبلة يتمثل في جعل هذه التغطيات أكثر قابلية للتوسع، وأكثر ذكاءً وأتمتة، وأقل احتكاكًا في تجربة المستخدم، دون التفريط بالصلابة المالية والانضباط الاكتواري. الاتجاه العام يشير إلى تعاظم التعاون بين الابتكار اللامركزي في DeFi وخبرة التأمين التقليدي في إدارة المخاطر، بما يفتح الباب أمام سعات أكبر وخيارات تغطية أكثر تنوعًا لجميع المشاركين في سوق الأصول الرقمية.
في النهاية، يلعب التأمين دورًا محوريًا في تحويل عالم التشفير من “غرب متوحش” إلى جزء أكثر استدامة وقابلية للثقة في المشهد المالي العالمي. فحين تأتي الأيام العصيبة – وهي حتمًا ستأتي – يشكّل وجود شبكة أمان مالية فارقًا جوهريًا بين انهيار الثقة بالكامل، وبين تعثّر يمكن احتواؤه واستئناف النمو بعده.تتقدّم سوق تأمين الأصول المشفّرة بخطى سريعة، مدفوعة بمنتجات مبتكرة تستهدف المخاطر الجديدة التي خلقها هذا القطاع. تناولنا أدوار مزوّدي التأمين المركزيين، من الشركات التقليدية التي تعمل عبر الوسطاء والـ«سنديكات» – مثل قيام لويدز بتأمين محافظ ساخنة بالتعاون مع Coincover – وصولاً إلى شركات متخصصة في أصول الكريبتو مثل Evertas وChainproof، التي تحاول ردْم الفجوة بين نماذج الاكتتاب التقليدية والتقنيات المشفّرة. بالتوازي، تعمّقنا في نماذج التأمين اللامركزي مثل Nexus Mutual وInsurAce وRisk Harbor وغيرها، مع مقارنة منهجياتها في التغطية، وتسوية المطالبات، وهيكلة رأس المال. لكل نموذج مزاياه: المنصّات اللامركزية تتفوق في تغطية المخاطر على السلسلة وتمكين تأمين تقوده المجتمعات، بينما يجلب المزوّدون المركزيون قوة رسملة كبيرة وانضباطاً تنظيمياً صارماً. بشكل متزايد، نرى الطرفين يميلان إلى التعاون لا التنافس، في مزجٍ لميزات كل نموذج بهدف توسيع نطاق الحماية المتاحة للسوق.
الإطار التنظيمي بدوره يتطوّر لاستيعاب – وأحياناً لفرض – التأمين على أصول الكريبتو. ولايات قضائية مثل هونغ كونغ ودبي جعلت وجود تغطية تأمينية لأصول العملاء شرطاً أساسياً لترخيص منصّات التداول، كما يدفع المنظّمون عالمياً نحو شفافية أكبر بشأن ما إذا كانت أصول العملاء المشفّرة مُغطاة بتأمين أم لا. هذه الأطر لا تحمي المستهلكين فحسب، بل تضفي أيضاً شرعية على منتجات التأمين نفسها، ما يجذب مزيداً من اللاعبين إلى السوق. في الولايات المتحدة وأوروبا، رغم أن الالتزامات المباشرة ما زالت محدودة، إلا أن الاتجاه الواضح هو نحو رفع سقف متطلبات إدارة المخاطر، وهو ما يعني ضمناً اللجوء إلى التأمين أو إلى أدوات حماية مالية مكافئة.
مع ذلك، يواجه تأمين الأصول المشفّرة تحديات جوهرية. على رأسها كفاءة رأس المال، إذ إن الصناديق التعاونية اللامركزية اليوم مبالغ في ضمانها (over‑collateralized) وصغيرة مقارنة بحجم الطلب الكامن. كما يتعيّن عليها التعامل مع تعقيدات تقنية مثل قابلية أنظمة «الأوراكل» للتلاعب، وصعوبة إدارة المطالبات عبر حوكمة لامركزية قائمة على تصويت الجهات الحاملة للرموز. إضافة إلى ذلك، ما زال بناء جسور فعلية مع سوق إعادة التأمين العالمية عملاً جارياً؛ إلا أن دخول لاعبين كبار مثل Munich Re وArch ولو بخطوات حذرة، يبعث إشارة واضحة إلى أن هذه العقبات يتم التعامل معها تباعاً.
نظرتنا المستقبلية لتأمين الكريبتو تبدو ديناميكية وإيجابية. من المرجّح أن نرى مزيداً من منتجات التأمين «البارامترية» الآلية، القادرة على دفع التعويضات شبه الفورية عبر العقود الذكية بمجرد تحقّق شروط محددة سلفاً، إلى جانب تعميق استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر لتحسين التسعير ورصد التهديدات في وقت أبكر. تجربة المستخدم بدورها ستصبح أكثر سلاسة، مع إدماج التأمين مباشرة في المنتجات اليومية للكريبتو بحيث يصبح جزءاً «خفياً» من البنية التحتية لا يحتاج المستخدم للتفكير فيه كثيراً. الأهم أن المستثمرين المؤسسيين والأفراد بدأوا يطالبون بمستوى حماية في الكريبتو لا يقل عما اعتادوه في النظام المالي التقليدي، ما يضع سوق تأمين الأصول المشفّرة على مسار توسّع ملحوظ. اتجاهات مثل توسّع حلول الطبقة الثانية (Layer‑2) وتزايد الأنشطة عبر السلاسل (cross‑chain) ستوسّع مسرح المخاطر وتفتح الباب أمام منتجات تأمين مجمّعة تغطي الأصول عبر منصّات عدّة في بوليصة واحدة. مشاركة شركات تأمين تقليدية أكبر، إلى جانب أطر تنظيمية أكثر دعماً، ستضيف طاقة استيعابية واستقراراً للسوق، بحيث تصبح الخسائر الكبيرة قابلة للتحمّل على مستوى النظام ككل بدلاً من أن يتحمّلها الأفراد وحدهم.
في المحصّلة، ينتقل تأمين الكريبتو من كونه فكرة هامشية إلى كونه أداة متكاملة لإدارة المخاطر تدعم مصداقية وصلابة صناعة الأصول المشفّرة. ويمكن القول إنه يعيد صياغة المقولة الشهيرة «مفاتيحك ليست معك، إذاً عملاتك ليست لك» عبر إضافة بُعد جديد: «وحتى إن احتفظت بمفاتيحك – أو فوّضت غيرك بحفظها – فلست وحدك في تحمّل المخاطر». ومع التطوير المتأنّي، والحَوْكمة الرشيدة، وتعميق الشراكة بين مشاريع البلوك تشين المبتكرة وخبرات التأمين التقليدية، سيواصل تأمين الكريبتو نضجه وتوسّعه. فهو يقدّم مساراً عملياً لحماية المحافظ، والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، ومراكز التمويل اللامركزي (DeFi)، بما يسمح للمشاركين بخوض هذه الحدود المالية الجديدة بثقة أكبر. ومع توغّل الكريبتو أكثر في التيار المالي الرئيسي، سيلعب وجود «طبقة تأمينية» قوية دور صمّام الأمان عند وقوع الأحداث غير المتوقّعة، فيمتصّ جانباً من الصدمات، ويُسرّع استعادة الثقة، ويُعزّز في النهاية استقرار المنظومة وثقة المستثمرين في نظام الأصول المشفّرة ككل.

